Menu

السبت، 21 مايو 2016

تهنئة للأخ الجيلاني

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مبارك عليك ياجيلاني دخولك للمجتهدين افتقدت مشاركاتك وقلت خلني اشوف اخر دخول لك للمنتدى
لقيته قبل يوم او يومين وتفاجئة بالون خلفية الاسم تغيرت للاخضر لون المجتهدين وحبيت ارسلك رسالة
البارحة بس منت مفعل رسائل الاعضاء وانت حر في ذلك
اعذرنا على القصور وانا اخوك يمكن تكون متأخرة التهنئة لاكن ابن الاجواد يكون عذار
الله يوفقك وينور طريقك وان شاء الله للمحترفين قريب تحياتي لك ودمت بخير
:36_3_17[1]:



jikzm ggHo hg[dghkd



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1W869ZS
via IFTTT

دعاء ليلة النصف من شعبان - كل عام وانتم بخير

كل سنة وأنتم جميعا بخير



أذكركم ونفسى بالصيام وفى هذه الليلة ترفع أعمال السنة كلها إلا : للمتشاحنين أو لقاطع الرحم فتعلق اعماله ...................



دعاء ليلة النصف شعبان

أعادها الله عليكم بالخير و اليمن و البركات



اللهم صلي على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم , اللهم يا ذا المن و لا يمن عليه ، يا ذا الجلال و الإكرام و ياذا الطول و الإنعام , لا اله إلا أنت ظهر اللاجئين و أمان الخائفين و جار المستجيرين , اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا في الرزق فأمحو اللهم بفضلك شقاوتي و حرماني و طردي و اقترار رزقي و أثبتني عندك في أم الكتاب سعيدا مرزوقا موفقا للخيرات بإذنك فانك قلت و قولك الحق في كتابك المنزل على قلب و لسان نبيك المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم , بسم الله الرحمن الرحيم يمحو الله ما يشاء و يثبت عنده أم الكتاب , الهي بالتجل الأعظم في ليلة النصف من شعبان المكرم التي يفرق فيها كل أمر حكيم و يبرم , اكشف عني يا ربي من البلاء ما أعلم و ما لا أعلم و ما أنت به أعلم أنك أنت الأعز الأكرم و صلي اللهم على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

تقرأ ثلاث مرات بعد صلاة المغرب + سورة يــس ثلاث مرات + الدعاء في كل مرة بــ :-

- بطول العمر و مباركته

- دفع البلاء و الكرب

- زيادة الرزق



أسألكم الدعاء وللمسلمين جميعا



]uhx gdgm hgkwt lk aufhk - ;g uhl ,hkjl fodv



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1XGUPU5
via IFTTT

الإمام الشافعي

جاء رجل إلى الإمام الشافعي فقال له :
فلان يذكرك بسوء !
فأجابه الشافعي :
إذا صدقت فأنت نمّام ،
وإذا كذبت فأنت فاسق ..
فخجل الرجل و انصرف



hgYlhl hgahtud



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/20itjLl
via IFTTT

عهد بني العباس بالعراق * 7

ص -261- ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين، و أمه م ولد اسمها مخارق، وكان مليحًا أبيض بوجهه أثر جدري ألثغ1، ولما مات المنتصر اجتمع القواد وتشاوروا وقالوا: متى وليتم أحدًا من أولاد المتوكل لا يبقي منا باقية، فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا، فبايعوه وله ثمانٍ وعشرون سنة، واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكر له الأتراك، لما قتل وصيفًا وبغا، ونفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك:

خليفة في قفص بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له كما تقول الببغا

ولما تنكر له الأتراك خاف، وانحدر من سامرا إلى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع، فامتنع، فقصدوا الحبس، وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه، وخلعوا المستعين، ثم جهز المعتز جيشًا كثيفًا لمحاربة المستعين، واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين، فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرًا، وكثر القتل، وغلت الأسعار، وعظم البلاء، وانحل أمر المستعين، فسعوا في الصلح على خلع المستعين، وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة، فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين، وأشهد عليه القضاة وغيرهم، فأحدر إلى واسط، فأقام بها تسعة أشهر محبوسًا موكلًا به أمين، ثم رد إلى سامرا، وأرسل المعتزل إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله، فقال: والله لا أقتل أولاد الخلفاء، فندب له سعيد الحاجب، فذبحه في ثالث شوال من السنة وله إحدى وثلاثون سنة.
وكان خَيِّرًا، فاضلًا، بليغًا، أديبًا، وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وصغر القلانس وكانت قبله طوالًا.
مات في أيامه من الأعلام: عبد بن حميد، وأبو الطاهر بن السرح، والحارث بن مسكين، والبزي المقرئ، وأبو حاتم السجستاني، والجاحظ، وآخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 اللثغة في اللسان: أن تصير الراء غينًا أو لامًا، والسين ثاء. مختار الصحاح "592".

المعتز بالله محمد1
المعتز بالله: محمد -وقيل: الزبير- أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد.
ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة، وبويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين وخمسين، وله تسع عشرة سنة؛ ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه.
وكان بديع الحسن، قال علي بن حرب، أحد شيوخ ابن المعتز في الحديث: ما رأيت خليفة أحسن منه، وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب، وكان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 252هـ وحتى 255هـ.



ص -262- وأول سنة تولى مات أشناس الذي كان الواثق استحلفه على السلطنة، وخلف خمسمائة ألف دينار، فأخذها المعتز، وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله بن طاهر، وقلده سيفين، ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه -أعني: أخا المعتز أبا أحمد- وتوجه بتاج من ذهب، وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلده سيفين، ثم عزله عن عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشرابي، وألبسه تاج الملك؛ فخرج على المعتز به سنة، فقتل وجيء إليه برأسه.
وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد، وضربه وقيده فمات بعد أيام، فخشى المعتز أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به أثر، وكان المعتز مستضعفًا من الأتراك، فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان المعتز يخاف منه، فطلب من أمه مالًا لينفقه فيهم، فأبت عليه وشحت نفسها، ولم يكن بقى في بيوت المال شيء، فاجتمع الأتراك على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت دواء وأنا ضعيف، فهجم عليه الجماعة، وجروا برجله، وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في يوم صائف، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك، ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة -وهي يومئذ سامرا- محمد بن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد، فسلم المعتز إليه بالخلافة وبايعه، ثم إن الملأ أخذو المعتز بعد خمس ليالٍ من خلعه، فأدخلوه الحمام فلما اغتسل عطش، فمنعوه الماء، ثم أخرج -وهو أول ميت مات عطشًا- فسقوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتًا، وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين، واختفت أمه قبيحة، ثم ظهرت في رمضان، وأعطت صالح بن وصيف مالًا عظيمًا، من ذلك ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار، وسفط فيه مكوك زمرد، وسفط فيه لؤلؤ حب كبار، وكيلجة ياقوت أحمر، وغير ذلك، فقومت السفاط بألفي دينار، فلما رأى ابن وصيف ذلك قال: قبحها الله؛ عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار، وعندها هذا، فأخذ الجميع ونفاها إلى مكة، فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد، فردها إلى سامرا، وماتت سنة أربع وستين.
مات في أيام المعتز من الأعلام: سري السقطي الزاهد، وهارون بن سعيد الأيلي، والدارمي صاحب المسند، والعتبي صاحب المسائل العتبية في مذهب مالك، وآخرون رحمهم الله تعالى.



ص -263- المهتدي بالله محمد بن الواثق1
المهتدي بالله الخليفة الصالح: محمد أبو إسحاق -وقيل: أبو عبد الله- بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 252هـ، وحتى 255هـ.

أمه أم ولد تسمى وردة، ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين، وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وما قبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز، فقام المهتدي له وسلم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة، فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس.
وكان المهتدي أسمر، رقيقًا، مليح الوجه، ورعًا متعبدًا، عادلًا، قويًّا في أمر الله، بطلًا، شجاعًا لكنه لم يجد ناصرًا ولا معينًا.
قال الخطيب: لم يزل صائمًا منذ ولي إلى أن قتل، وقال هاشم بن القاسم: كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست، وتقدم فصلى بنا، ثم دعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية فيها ملح طعام وخل وزيت، ودعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانًا أنه سيؤتي بطعام، فنظر إليّ وقال: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلى، قال: أفلست عازمًا على الصوم؟ فقلت: كيف لا وهو رمضان؟ فقال: كل واستوف فليس ههنا من الطعام غير ما ترى، فعجبت ثم قلت: ولِمَ يا أمير المؤمنين؛ وقد أسبغ الله نعمته عليك؟! فقال: إن الأمر ما وصفت، ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك فغرت على بني هاشم، فأخذت نفسي بما رأيت.
وقال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به، ولكنه كان يخالف -أشير إلى من مضى من آبائه- فقال: رحم الله أحمد حنبل والله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه، ثم قال لي: تكلم بالحق وقل به، فإن الرجل يتكلم بالحق فينبل في عيني.
وقال نفطويه: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط في جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاء السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس الكتاب بين يديه، فيعملون الحساب، وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس، وضرب جماعة من الرؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنه نسب عنده إلى الرفض.
وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامرا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز، وأخذ أموال أمه ومعه جيشه، فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون! قد جاءك موسى، فطلب موسى من بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل فأقاموه، وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول: يا موسى اتق الله، ويحك! ما تريد؟ قال: والله ما نريد إلا خيرًا، فاحلف لنا ألا تمالئ صالح بن وصيف، فحلف لهم، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالِحًا ليناظروه على أفعاله، فاختفى، وندبهم المهتدي إلى الصلح فاتهموه أنه يدري مكانه، فجرى



ص -264- في ذلك كلام، ثم تكلموا في خلعه، فخرج إليهم المهتدي من الغد متلقدًا بسيفه، فقال: قد بلغني شأنكم، لست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأن متحنط، وقد أوصيت، وهذا سيفي، والله لأضربن ما استمسكت قائمته بيدي، أما دين، أما حياء، أما دعة؟ لم يكن الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله؟ ثم قال: ما أعلم علم صالح، فرضوا وانفضوا، ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، واتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقًا وقت الحر، فرأى بابًا مفتوحًا فدخل فمشى في دهليز مظلم، فرأى صالِحًا نائمًا فعرفه -وليس عنده أحد- فجاء إلى موسى فأخبره، فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به، وتألم المهتدي لذلك في الباطن، ثم رحل موسى ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بكيال أن يقتل موسى ومفلحًا أحد أمراء الأتراك أيضًا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف بكيال موسى على كتابه، وقال: إني لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على قتل المهتدي، وساروا إليه، فقاتل عن المهتدي المغاربة، والفراغنة، والأشروسنية، وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف، ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة، وأمسك هو فعصر على خصيتيه فمات، وذلك في رجب سنة ست وخمسين، فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يومًا، وكان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام، وكتبوا رقاعًا وألقوها في المساجد: يا معشر المسلمين! ادعو الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه.

المعتمد على الله أبو العباس1
المعتمد على الله أبو العباس -وقيل: أبو جعفر- أحمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وأمه رومية اسمها فتيان، ولما قتل المهتدي وكان المعتمد محبوسًا بالجوسق، فأخرجوه وبايعوه، ثم إنه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق، وصير ابنه جعفرًا ولي عهد، وولاه مصر والمغرب، لقبه المفوض إلى الله، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عن الرعية، فكرهه الناس، وأحبوا أخاه طلحة.
وفي أيامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها، وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات وأمير عسكره في أكثرها الموفق أخوه، وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق، فمات خلق لا يحصون، ثم أعقبه هزات وزلازل، فمات تحت الردم ألوف من الناس، واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين، فقتل فيه رأس الزنج لعنه الله واسمه بهبوذ، وكان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة وأنه مطلع على المغيبات.
وذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي، وقتل في يوم واحد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة من سنة 256هـ حتى سنة 279هـ.



ص -265- بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسب عثمان، وعليًّا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة، رضي الله عنهم.
وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن ويستخدمهن.
ولما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح، وعملت قباب الزينة، وضج الناس بالدعاء للموفق، ومدحه الشعراء، وكان يومًا مشهودًا، وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها، وهي كثيرة كواسط ورامهرمز.
وفي سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كر الحنطة في بغداد مائة وخمسين دينارًا، وفيها أخذت الروم بلد لؤلؤة.
وفي سنة إحدى وستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر، ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة، وولى ولده المغرب، والشام، والجزيرة، وأرمينية، وولى أخاه المشرق والعراق، وبغداد، والحجاز، واليمن، وفارس، وأصبهان، والري، وخراسان، وطبرستان، وسجستان، والسند، وعقد لكل منهما لواءين: أبيض، وأسود، وشرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ، وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة.
وفي سنة ست وستين وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر، ففتكوا، وهرب أهل الجزيرة، والموصل، وفيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها.
وفي سنة سبع وستين استولى أحمد بن عبد الله الحجابي على خراسان، وكرمان، وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السكة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محل الغرابة، ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى الله شره.
وفي سنة تسع وستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق، فإنه كان خرج عليه في سنة أربع وستين ثم اصطلحا، فلما اشتد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر، واتفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامرا على وجه التنزه، وقصده دمشق، فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: يا أمير المؤمنين! أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك، ومتى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجي، فيغلب عدوك على ديار آبائك، في كلمات أخر، ثم وكل بالمعتمد جماعة، وسم على طائفة من خواصه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: ما هذا بمقام فارجع، فقال: المعتمد: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني، فحلف له، وانحدر إلى سامرا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه، ولما بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد،



ص -266- ولقبه ذا السندين: ولقب صاعدًا ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط وقال المعتمد في ذلك:

أليس من العجائب أن مثلي يرى ما قل ممتنعًا عليه؟

وتؤخذ باسمه الدنيا جميعًا وما من ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرًّا ويمنع بعض ما يجبى إليه

وهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به، ثم أدخل المعتمد واسط، ولما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء، والقضاة، والأعيان، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة فإنه قال: أنت أوردت علي من المعتمد كتابًا بولايته العهد فأورد علي كتابًا آخر منه بخلعه، فقال: إنه محجور عليه ومقهور، فقال: لا أدري، فقال ابن طولون: غرك الناس بقولهم: ما في الدنيا مثل بكار، أنت شيخ قد خرفت، وحبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكانت عشرة آلاف دينار، فقيل: إنها وجدت في بيت بكار بختمها، وبلغ الموفق ذلك، فأمر بلعن ابن طولون على المنابر.
ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرا ودخل بغداد، ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه ومات ابن طولون في هذه السنة، فولى الموفق ابنه العباس أعماله، وجهزه إلى مصر في جنود العراق، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده، فوقع بينه وبين أبي العباس بن الموفق وقعة عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء، وكان النصر للمصريين.
وفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار.
وفيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف، فكانت النصرة للمسلمين، وغنموا ما لا يحصى، وكان فتحًا عظيمًا عديم المثل.
وفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض، في اليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمانٍ وسبعين، فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوة فصحبهم إلى المغرب، فكان ذلك أول شأن المهدي.
وفي سنة إحدى وسبعين، قال الصولي: ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.
وفي سنة ثمانٍ وسبعين غار نيل مصر، فلم يبقَ منه شيء، وغلت الأسعار، وفيها مات الموفق، واستراح منه المعتمد.
وفيها ظهرت القرامطة1 بالكوفة وهم نوع من الملاحدة يدعون أنه لا غسل من الجنابة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 القرامطة: كان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة، يظهر الزهد والتقشف ويخسف الخوص، ويأكل من كسبه، ويكثر الصلاة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين ==



ص -267- وأن الخمر حلال، ويزيدون في أذانهم: وأن محمد ابن الحنفية رسول الله وأن الصوم في السنة يومان: يوم النيروز، ويوم المهرجان، وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس، وأشياء أخرى، ونفق قولهم على الجهال، وأهل البر، وتعب الناس بهم.
وفي سنة تسع وسبعين ضعف أمر المعتمد جدًّا، لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور، وطاعة الجيش له، فجلس المعتمد مجلسًا عامًّا، وأشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد، وبايع لأبي العباس، ولقبه المعتضد، وأمر المعتضد في هذه السنة ألا يقعد في الطريق منجم ولا قصاص، واستحلف الوراقين ألا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل.
ومات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأة، فقيل: إنه سم، وقيل: بل نام فغم في بساط، وذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب، وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة، إلا أنه كان مقهورًا مع أخيه الموفق لاستيلائه على الأمور، ومات وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضًا.
وممن مات في أيامه من الأعلام: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والربيع الجيزي، والربيع المرادي، والمزني، ويونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بكار، وأبو الفضل الرياشي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحجاج بن يوسف الشاعر، والعجلي الحافظ، وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب، والسوسي المقرئ، وعمر بن شبة، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والقاضي بكار، وداود الظاهري، وابن دارة، وبقي بن مخلد، وابن قتيبة، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
ومن قول عبد الله بن المعتز في المعتمد يمدحه:

يا خير من تزجى المطي له ويمر حبل العهد موثقه

أضحى عنان الملك مقتسرًا بيديك تحبسه وتطلقه

فاحكم لك الدنيا وساكنها ما طاش سهم أنت موفقه

ومن شعر المعتمد لما حجر عليه:

أصبحت لا أملك دفعًا لما أسام من خسف ومن ذلة

تمضي أمور الناس دوني، ولا يشعرني في ذكرها قلتي

إذا اشتهيت الشيء ولوا به عني، وقالوا: ههنا علتي

قال الصولي: كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
== وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفروضة عليه خمسون صلاة، في اليوم والليلة حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت الرسول، فلم يزل يقعد إليه جماعة فيخبرهم من ذلك بما تعلق قلوبهم ثم فشا بعد ذلك أمرهم وأحدثوا دينًا غير الإسلام، ورأوا السيف على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من بايعهم على دينهم ومن شرائعهم زعمهم أن الصوم يومان في السنة وهما المهرجان والنيروز، وأن النبيذ حرام، والخمر حلال ولا غسل من الجنابة إلا الوضوء.



ص -268- ورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله:

لقد قر طرف الزمان النكد وكان سخيفًا كليلًا رمد

وبلغت الحادثات المنى بموت إمام الهدى المعتمد

ولم يبقَ لي حذره بعده فدون المصائب فلتجتهد

المعتضد بالله أحمد1
المعتضد بالله: أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقال الصولي: في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها صواب -وقيل: حرز، وقيل: ضرار- وبويع له في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد عمه المعتمد، وكان ملكًا شجاعًا، مهيبًا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته، وكان قليل الرحمة: إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفرة ويطم عليه، وكان ذا سياسة عظيمة.
قال عبد الله بن حمدون: خرج المعتضد يتصيد، فنزل إلى جانب مقثأة -وأنا معه- فصاح الناطور، فقال: علي به، فأحضر، فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها، فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة، ثم كلمني بعد مدة فقال: اصدقني فيما ينكر علي الناس، قلت: الدماء، قال: والله ما سفكت دمًا حرامًا منذ وليت، قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟ قال: دعاني إلى الإلحاد، قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قال: والله ما قتلتهم، وإنما قتلت لصوصًا قد قتلوا، وأوهمت أنهم هم.
وقال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فلما أردت القيام قال لي: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط.
ودخلت مرة، فدفع إلي كتابًا، فنظرت فيه، فإذا هو قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: أمختلق؟ قلت: لا ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر بالكتاب فأحرق.
وكان المعتضد شهمًا، جلدًا، موصوفًا بالرجولة، قد لقى الحروب، وعرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس، ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته.
وكانت أيامه طيبة، كثيرة الأمن والرخاء.
وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يسمى السفاح الثاني؛ لأنه جدد ملك بني العباس، وكان قد خلق وضعف، وكاد يزول، وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل، وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 279هـ وحتى 289هـ.



ص -269- هنيئًا بني العباس، إن إمامكم إمام الهدى والبأس والجود أحمد

كما بأبى العباس أنشئ ملككم كذا بأبي العباس أيضًا يجدد

إمام يظل الأمس يعمل نحوه تلهف ملهوف ويشتاقه الغد

وقال في ذلك ابن المعتز أيضًا:

أما ترى ملك بني هاشم عاد عزيزًا بعد ما ذللا

يا طالبًا للملك كن مثله تستوجب الملك، وإلا فلا

وفي أول سنة استخلف فيها منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق، وصلى بالناس صلاة الأضحى، فكبر في الأولى ستًّا، وفي الثانية واحدة، ولم تسمع منه الخطبة.
وفي سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان، وفشا أمره، ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية، وصار أمره في زيادة.
وفيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال، وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فهبت رياح سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفًا.
وفي سنة إحدى وثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم.
وفيها غارت مياه الري وطبرستان، حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وقحط الناس، وأكلوا الجيف.
وفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدًا إلى جانب المسجد الحرام.
وفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز، من وقيد النيران، وصب الماء على الناس وأزال سنة المجوس.
وفيها زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشر صناديق جوهر؛ وفي سنة ثلاث وثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثر الدعاء للمعتضد.
وفي سنة أربع وثمانين ظهرت بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى، وكانت من العصر إلى الليل.
قال ابن جرير: وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة، فلم يلتفت، وكتب كتابًا في ذلك، ذكر فيه كثيرًا من مناقب علي، ومثالب معاوية، فقال له القاضي يوسف: يا أمير المؤمنين! أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيها، قال: فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل،

ص -270- فأمسك المعتضد عن ذلك.
وفي سنة خمس وثمانين هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار، ووقع عقبها برد، وزنة البردة مائة وخمسون درهَمًا، وقلعت الريح نحو خمسمائة نخلة، ومطرت قرية حجارة سودًا وبيضًا.
وفي سنة ست وثمانين ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته -وهو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود- ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة، وأغار على البصرة ونواحيها، وهزم جيش الخليفة مرات.
ومن أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي، قال: وجه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول: إن لي على فلان مالًا، وقد بغلني أن غرماء أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم، فقال أبو حازم: قل له: أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه!- ذاكر لما قال لي وقت قلدني: إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان -يعني: رجلين جليلين- فقال: يشهدان عندي، وأسأل عنهما؟ فإن زكيا قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعًا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئًا.
قال ابن حمدون النديم: غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دار، وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة، فقال ابن بسام:

ترك الناس بحيره وتخلى في البحيرة

قاعدًا يضرب بالطبل على حر دريرة

فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه، ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد، فجزع عليها جزعًا شديدًا، وقال يرثيها:

يا حبيبًا لم يكن يعـ ـدله عندي حبيب

أنت عن عيني بعيد ومن القلب قريب

ليس لي بعدك في شـ ـيء من اللهو نصيب

لك من قلبي على قلـ ـبي وإن بنت رقيب

وخيال منك مذ غبـ ـت خيال لا يغيب

لو تراني كيف لي بعـ ـدك عول ونحيب؟

وفؤادي حشوه من حرق الحزن لهيب

لتيقنت بأني فيك محزون كئيب

ما أرى نفسي وإن سلـ ـيتها عنك تطيب

لي دمع ليس يعصيـ ـني وصبر ما يجيب



ui] fkd hgufhs fhguvhr * 7



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1ReZGUQ
via IFTTT

عهد بني العباس بالعراق * 6

ص -251- مات الواثق بـ: سر من رأى، يوم الأربعاء لستٍ بقين من ذي الحجة سنة مائتين واثنتين وثلاثين ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الخلق مشترك لا سوقة منهم يبقى ولا ملك

ما ضر أهل قليل من تفارقهم وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا

وحكي أنه لما مات ترك وحده واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل، فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها.
مات في أيامه من الأعلام: مسدد، وخلف بن هشام البزار المقرئ، وإسماعيل بن سعيد الشالخي شيخ أهل طبرستان، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو تمام الطائي الشاعر، ومحمد بن زياد بن الأعرابي اللغوي، والبويطي صاحب الشافعي مسجونًا مقيدًا في المحنة وعلي بن المغيرة الأثرم اللغوي، وآخرون.
ومن أخبار الواثق: أسند الصولي عن جعفر بن الرشيد قال: كانّا بين يدي الواثق وقد اصطبح، فناوله خادمه مهج وردًا ونرجسًا، فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه:

حياك بالنرجس والورد معتدل القامة والقد

فألهبت عيناه نار الهوى وزاد في اللوعة والوجد

أملت بالملك له قربة فصار ملكي سبب البعد

ورنحته سكرات الهوى فمال بالوصل إلى الصد

إن سئل البذل ثنى عطفه وأسبل الدمع على الخد

غر بما تجنيه ألحاظه لا يعرف الإنجاز للوعد

مولى تشكي الظلم من عبده فأنصفوا المولى من العبد

قال: فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات.
وقال الصولي: حدثني عبد الله بن المعتز قال: أنشدني بعض أهلنا للواثق وكان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه، ولهذا يوم يخدمه فيه:

قلبي قسيم بين نفسين فمن رأى روحًا بجسمين

يغضب ذا إن جاد ذا بالرضا فالقلب مشغول بشجوين

وأخرج عن الحزنبل قال: غنى في مجلس الواثق بشعر الأخطل:

وشاد مربح بالكاس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار



ص -252- فقال: أسوار أو سئار؟ فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك، فقال: سوار وثاب، يقول: لا يثب على ندمائه، وسئار مفضل في الكأس سؤرًا، وقد رويا جميعًا، فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم.
وقال: حدثني ميمون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال: تلاحى الحسين بن الضحاك ومخارق يومًا في مجلس الواثق في أبي نواس وأبي العتاهية أيهما أشعر؟ فقال الواثق: اجعلا بينكما خطرًا، فجعلا بينهما مائتي دينار، فقال الواثق: من ههنا من العلماء؟ فقيل: أبو محلم، فأحضره فسئل عن ذلك، فقال: أبو نواس أشعر، وأذهب في فنون العرب، وأكثر افتنانًا من أفانين الشعر، فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين.

المتوكل على الله جعفر1
المتوكل على الله: جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولد اسمها شجاع، ولد سنة خمس-وقيل: سبع- ومائتين، وبويع له في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وبعد الواثق، فأظهر الميل إلى السنة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وفي سنة أربع وثلاثين.
واستقدم المحدثين إلى سامرا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه أيضًا نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضًا نحو من ثلاثين ألف نفس، وتوفّر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم.
وقال أبو بكر ابن الخبازة في ذلك:

وبعد، فإن السنة اليوم أصبحت معزّزة حتى كأن لم تذلل

تصول وتسطو إذ أقيم منارها وحط منار الإفك والزور من عل

وولّى أخو الإبداع في الدين هاربًا إلى النار يهوى مدبرًا غير مقبل

شفى الله منهم بالخليفة جعفر خليفته ذي السنة المتوكل

خليفة ربي وابن عم نبيه وخير بني العباس من منهم ولي



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة سنة 232هـ، وحتى 247هـ.



ص -253- وجامع شمل الدين بعد تشتت وفاري رءوس المارقين بمنصل

أطال بنا رب العباد بقاءه سليمًا من الأهوال غير مبدل

وبوّأه النصر للدين جنة يجاور في روضاتها خير مرسل

وفي هذه السنة أصاب ابن أبي دؤاد فالج صيره حجرًا ملقى، فلا آجره الله.
ومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم، ولم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يومًا واتصلت بهمذان، وأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خلقًا عظيمًا.
وفي السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفًا.
وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل.
وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخرّب، وبقى صحراء، وكان المتوكل معروفًا بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:

بالله إن كانت أمية قد أتت قتل ابن بنت نبيها مظلومًا

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله هذا لعمري قبره مهدومًا

أسفوا على ألا يكونوا شاركوا في قتله فتتبعوه رميمًا

وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر: أبي بكر محمد بن أبي الليث، وأن يضربه، ويطوف به على حمار ففعل -ونعم ما فعل- فإنه كان ظالِمًا من رءوس الجهمية، وولي القضاء بَدَلَه الحارث بن مسكين من أصحاب مالك، وبعد تمنع، وأهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطًا ليرد المظالم إلى أهلها.
وفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر، ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل، ثم كفت.
وفي سنة ثمانٍ وثلاثين كبست الروم دمياط، ونهبوا وأحرقوا، وسبوا منها ستمائة أمة، وولو مسرعين في البحر.
وفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء، فمات منها خلق كثير، ووقع بَردٌ بالعراق كبيض الدجاج، وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب.
وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرًا مزعجًا لم يعهد.

ص -254- وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس، وأعمالها، والريّ، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت الجبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق، ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء، وَوُزنَ حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال، وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح: يا معشر الناس اتقوا الله، الله، الله، الله، وصاح أربعين صوتًا ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك، وكتب البريد بذلك، وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه.
وفيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل، وتعجب الناس من ذلك.
وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكل دمشق، فأعجبته، وبنى له القصر بداريًّا وعزم على سكناها، فقال يزيد بن محمد المهلبي

أظن الشام تشمت بالعراق إذا عزم الإمام على انطلاق

فإن تَدَع العراق وساكنيه فقد تبلي المليحة بالطلاق

فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة.
وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السِّكِّيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكل يومًا إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر -يعني: مولى عليّ- خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل: أمر بسلّ لسانه فمات وأرسل إلى ابنه بديته، وكان المتوكل رافضيًّا.
وفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر وسقط من أنطاكية جبل في البحر، وسمع من السماء أصوات هائلة وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكة، فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها، وكان المتوكل جودًا ممدّحًا، يقال: ما أعطى خليفة شاعرًا ما أعطى المتوكل، وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:

فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا

فقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي، وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفًا.
ودخل عليه علي بن الجهم يومًا وبيديه درتان يقلبهما، فأنشده قصيدة له، فرمى إليه بدرة فقلبها، فقال: تستنقص بها وهي والله خير من مائة ألف؟ فقال: لا ولكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال: قل، فقال:

يسر من را إمام عدل تغرف من بحره البحار

الملك فيه وفي بنيه ما اختلفت الليل والنهار

يرجى ويخشى بكل خطب كأنه جنة ونار

يداه في الجود ضرتان عليه كلتاهما تغار

لم تأت من اليمن شيئًا إلا أتت مثلها اليسار



ص -255- فرمى إليه بالدرة الأخرى.
قال بعضهم: سلّم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة: منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر.
وقال المسعودي: لا يعلم أحد متقدم في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته، ووصل إليه نصيب وافر من المال، وكان منهمكًا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف ووطئ الجميع.
وقال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفًا بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها، فوقفت له يومًا -وقد كتبت على خديها بالغالية جعفرًا- فتأملها وأنشأ يقول:

وكاتبة المسك في الخد جعفرًا بنفسي محط المسك من حيث أثرا

لئن أودعت سطرًا من المسك خدها لقد أودعت قلبي من الحب أسطرًا

وفي كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد الله بن الحكم -وكان رئيس مصر من جلة أصحاب مالك- وأنه أحدث علمًا لم يتكلم فيه السلف، ورماه بالزندقة، فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده، فتكلم، فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره، فحمل على البريد، فلما سمع كلامه أولع به وأحبه وأكرمه، حتى كان يقول: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذا النون.
كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد، ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى فكان يحضره مجلس العامة، ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده، واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوهٍ، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
ورؤي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها، ولما قتل رثته الشعراء، ومن ذلك قول يزيد المهلبي:

جاءت منيته والعين هاجعة هلا أتته المنايا والقنا قصد

خليفة لم ينل ما ناله أحد ولم يضع مثله روح ولا جسد

وكان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوّادة فلما قتل ضمت إلى بُغا الكبير، فأمر بها يومًا للمنادمة، فجلست منكسة فقال: غني، فاعتلت فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها فغنت ارتجالًا:

أي عيش يلذ لي لا أرى فيه جعفرًا؟

ملك قد رأيته في نجيع معفرًا

كل من كان ذا هيام وسقم فقد برا

غير محبوبه التي لو ترى الموت يشترى



ص -256- لاشترته بما حوتـ ـه يداه لتقبرا

إن موت الحزين أطـ يب، من أن يعمرا

فغضب بُغا، وأمر بها فسجنت، فكان آخر العهد بها.
ومن الغرائب أن المتوكل قال للبحتري: قل فيّ شعرًا وفي الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني، فقل في هذا المعنى، فقال:

يا سيدي كيف أخلفت وعدي وتثاقلت عن وفاء بعهدي؟

لا أرتني الأيام فقدك يا فتـ ـح ولا عرفتك ما عشت فقدي

أعظم الرزء أن تقدم قبلي ومن الرزء أن تؤخر بعدي

حذرًا أن تكون إلفًا لغيري إذ تفردت بالهوى فيك وحدي

فقتلا معًا كما تقدم.
ومن أخبار المتوكل، أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكرًا سليمًا نيئًا سقط عليه من السماء مكتوبًا عليه جعفر المتوكل على الله، فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم: نسميه المنتصر، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه، فوجده موافقًا فأمضى، وكتب به إلى الآفاق.
وأخرج عن هشام بن عمار قال: سمعت المتوكل يقول: واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده، وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام وهو يقول: أيها الناس إن محمد بن إدريس المطّلبي قد صار إلى -رحمة الله- وخلف فيكم علمًا حسنًا فاتبعوه تهدوا، ثم قال: اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك.
قلت: استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبًا بمذهب الشافعي، وهو أول من تمذهب من الخلفاء.
وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوءًا، فقال أحمد بن المعدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فيلتبوأ مقعده من النار". فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.
وأخرج عن يزيد المهلبي قال: قال لي المتوكل: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني.
وأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: دخلت على المتوكل فقال: يا أبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك، كنا هممنا لك بشيء، فصرفناه إلى غيرك، فقلت: يا أمير

ص -257- المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيرًا، ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين؟ قال: بلى، فأنشدته:

لأشكرنك معروفًا هممت به إنّ اهتمامك بالمعروف معروف

ولا ألومك إذ لم يمضه قدر فالرزق بالقدر المحتوم مصروف

فأمر لي بألف دينار
وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: دخلت على المتوكل لما توفيت أمه، فقال: يا جعفر، ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته خلطت، وقد قلت:

تذكرت لَمّا فرق لدهر بيننا فعزّيت نفسي بالنبي محمد

فأجازه بعض من حضر المجلس بقوله:

وقلت لها: إن المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في

وأخرج عن الفتح بن خاقان قال: دخلت يومًا على المتوكل، فرأيته مطرقًا متفكرًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الفكر؟ فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشًا، ولا أنعم منك بالًا فقال: يا فتح أطيب عيشًا مني رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه.
وأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: هكذا زعم من باعني واشتراني، فقال: أنشدينا شيئًا من شعرك، فأنشدته:

استقبل الملك إمام الهدى عام ثلاث وثلاثينا

خلافة أفضت إلى جعفر وهو ابن سبع بعد عشرينا

إنا لنرجو يا إمام الهدى أن تملك الملك ثمانينا

لا قدّس الله امرأً لم يقل عند دعائي لك: آمينا

وأخرج عن علي بن الجهم قال: أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها: محبوبة: قد نشأت بالطائف، وتعلمت الأدب، وروت الأشعار فأغرى المتوكل بها، ثم إنه غضب عليها، ومنع جواري القصر من كلامها، فدخلت عليه يومًا، فقال لي: قد رأيت محبوبة في منامي كأني صالحتها وصالحتني، فقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين، فقال: قم بنا لننظر ما هي عليه، فقمنا حتى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب على العود وتقول:

أدور في القصر لا أرى أحدًا أشكو إليه ولا يكلمني

حتى كأني أتيت معصية ليست له توبة تخلصني

فهل شفيع لنا إلى ملك قد زارني في الكرى وصالحني؟

حتى إذا ما الصباح لاح لنا عاد إلى هجره فصارمني

فصاح المتوكل، فخرجت، فأكبت على رجليه تقبلها، فقالت: يا سيدي رأيتك في



ص -258- ليلتي هذه كأنك قد صالحتني، قال: وأنا والله قد رأيتك، فردّها إلى مرتبتها، فلما قتل المتوكل صارت إلى بُغا، وذكر الأبيات السابقة.
وأخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دؤاد بقوله:

أمير المؤمنينا لقد شكرنا إلى آبائك الغرّ الحسان

رددت الدين فذًّا بعد أن قد أراه فرقتين تخاصمان

قصمت الظالمين بكل أرض فأضحى الظلم مجهول المكان

وفي سنة رمت متجبريهم على قدر بداهية عيان

فما أبقت من ابن أبي دؤاد سوى حسد يخاطب بالمعاني

تحير فيه سابور بن سهل فطاوله ومناه الأماني

إذا أصحابه اصطحبوا بليل أطالوا الخوض في خلق القرآن

وأخرج عن أحمد بن حنبل قال: سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأن رجلًا يعرج بي إلى السماء وقائلًا يقول:

ملك يقاد إلى مليك عادل متفضل في العفو ليس بجائر

ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد.
وأخرج عن عمرو بن شيبان الجهنمي قال: رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلًا يقول:

يا نائم العين في أوطار جسمان أفض دموعك يا عمرو بن شيبان

أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟

وافى إلى الله مظلومًا تضج له أهل السموات من مثنى ووحدان

وسوف يأتيك أخي مسومة توقعوها لها شأن من الشان

فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم فقد بكاه جميع الإنس والجان

ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها، قلت: فما تصنع ههنا؟ قال أنتظر محمدًا ابني أخاصمه إلى الله.
أحاديث من رواية المتوكل
قال الخطيب: أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا محمد بن هارون الهاشمي، حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال: سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم، وعن محمد بن عبد المطلب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، بن عبد الله، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "من حرم الرفق حرم الخير"1. أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب "166/7"، والطبراني في الكيير "2274،2273/2".



ص -259- وقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي، حدثني جدي أبو محمد، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا أبو الطيب محمد بن داران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي، حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق، فقالوا: حدثنا علي بن الجهم قال: كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال، فقال: إن حسن الشعر لمن الجمال، ثم قال: حدثني المعتصم، حدثني المأمون، حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي، حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس، قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمة1 إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ، وكان من أجمل الناس، وكان أسمر رقيق اللون، لا بالطويل ولا بالقصير، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون، والرشيد، والمهدي، والمنصور، ولأبيه محمد، ولجده علي، ولأبيه عبد الله بن عباس.
قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه: بذكر الجمة، والآباء وبالخلفاء، وفي إسناده ست خلفاء.
مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام: أبو ثور، والإمام أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن المنذر الخزامي، وإسحاق بن راهويه النديم، وروح المقرئ، وزهير بن حرب، وسحنون، وسليمان الشاذكوني، وأبو مسعود العسكري، وأبو جعفر النفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه، وديك الجن الشاعر، وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية، وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويحيى بن معين، ويحيى بن نكير، ويحيى بن يحيى، ويوسف الأزرق المقرئ، وبشر بن الوليد الكندي المالكي، وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا رحمه الله، وأبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال، وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة، وابن كلاب المتكلم والقاضي يحيى بن أكثم، والحارث المحاسبي، وحرملة صاحب الشافعي، وابن السكيت، وأحمد بن منيع، وذو النون المصري الزاهد، وأبو تراب النخشبي، وأبو عمر الدوري المقرئ، ودعبل الشاعر، وأبو عثمان المازني النحوي، وخلائق آخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجمة: هي مجتمع شعر الرأس. مختار الصحاح "112".

المنتصر بالله محمد أبو جعفر1
المنتصر بالله: محمد، أبو جعفر-وقيل: أبو عبدالله- بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولد رومية اسمها حبشية.
وكان مليح الوجه، أسمر، أعين، أقنى، ربعة، جسيمًا، بطينًا، مليحًا، مهيبًا،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 247هـ وحتى 248هـ.



ص -260- وافر العقل، راغبًا في الخير، قليل الظلم، محسنًا إلى العلويين، وصولًا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، وردّ على آل الحسين فدَك، فقال يزيد المهلبي في ذلك:

ولقد بررت الطالبية بعدما ذموا زمانًا بعدها وزمانًا

ورددت ألفة هاشم فرأيتهم بعد العداوة بينهم إخوانًا

بويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريمًا حليمًا.
ومن كلامه: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.
ولما ولي صار يسبّ الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه، وهموا به، فعجزوا عنه، لأنه كان مهيبًا، شجاعًا، فطنًا، متحرزًا، فتحيلوا إلي أن دسوا إليه طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات ويقال: إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض، فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة، فمات أيضًا، وقيل: بل سم في كمثراة، وقيل: مات بالخوانيق، ولما احتضر قال: يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت.
مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين، عن ست وعشرين سنة أو دونها، فلم يتمتع بالخلافة إلا أشهرًا معدودة دون ستة أشهر، وقيل: إنه جلس في بعض الأيام للهو، وقد استخرج من خزائن أبيه فرشًا، فأمر بفرشها في المجلس، فرأى بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظره فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها، فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي لم أمتمع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر، وأمر بإحراق البساط وكان منسوجًا بالذهب.
وفي لطائف المعارف للثعالي: أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر، فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتز والمعتمد.
قلت: أعرق منه المعتصم الذي قتله التتار، فإن أباءه الثمانية خلفاء.
قال الثعالبي: ومن العجائب أن أعرف الأكاسرة في الملك -وهو شيرويه- قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة -وهو المنتصر- قتل أباه فلم يتمتع بعده سوى ستة أشهر

المستعين بالله أبو العباس1
المستعين بالله: أبو العباس أحمد بن المعتصم بن الرشيد، وهو أخو المتوكل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 248هـ، وحتى 252هـ.



ui] fkd hgufhs fhguvhr * 6



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1XoF9Ey
via IFTTT

عهد بني العباس بالعراق * 5

ص -241- وقال الصولي: حدثنا جعفر الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، قال: خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة، ووافق يوم عرفة، فلما سلم كبر الناس، فأنكر التكبير ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال: يا غوغاء، ما هذا التكبير في غير أيامه؟ حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة والكبير في غد ظهرًا عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى.
وقال الصولي: حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: كنا عند المأمون، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله -عز وجل- أنفعهم لعياله"1. فصاح المأمون، وقال: اسكت، أنا أعلم بالحديث منك، حدثنيه يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله أنفعهم لعياله". أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من طرق عن يوسف بن عطية.
وقال الصولي: حدثنا المسيح بن حاتم العكلي، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله، قال: سمعت المأمون يخطب، فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه، ثم قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء: والجفاء في النار"2. أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون.
وقال الحاكم: حدثنا الحسين بن تميم، حدثنا الحسين بن فهم، حدثنا يحيى بن أكثم القاضي، قال: قال لي المأمون يومًا: يا يحيى، إني أريد أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبرًا فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به: عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار".
ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثًا، ثم نزل، فقال لي: يا يحيى،كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة، وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر3.
وقال الخطيب: حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: لما فتح المأمون مصر قال له قائل: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: ويحك! إلا أنه بقيت لي خلة، وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي: من ذكرت رضي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عدي "154،153/7".
2 أخرجه ابن عساكر "294/245/4".
3 الخلقان: جمع خلق وهو البالي ومنه ثوب خلق. مختار الصحاح "187".



ص -242- الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من عال ابنتين أو ثلاثًا أو أختين أو ثلاثًا حتى يمتن أو يموت عنهن، كان معي كهاتين في الجنة"1، وأشار بالمسبحة والوسطى.
قال الخطيب: في هذا الخبر غلط فاحش، ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين، وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين.
وقال الحاكم: حدثنا ابن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال وقف المأمون يومًا للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: إيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئًا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا حجاج، وحدثنا فلان، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثانٍ، فلم يذكر شيئًا، فذكره المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم.
وقال ابن عساكر: حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح، حدثنا محمد بن المغلس، حدثنا محمد بن السري القنطري، حدثنا علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت، فقال: يا يحيى ما شأنك؟ قلت: عطشان، فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء، فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام؟ قال: لا حدثني أبي عن أبيه عن جده، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم"2.
وقال الخطيب: حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي، حدثني أحمد بن الحسن الكسائي، حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني، حدثني يحيى بن أكثم، فذكر نحوه، إلا أنه قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني جرير بن عبد الله سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "سيد القوم خادمهم"3.
وقال ابن عساكر: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي، حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار، حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في تاريخه "81/11".
2 أخرجه ابن عساكر "9/ 24835/ كنز".
3 أخرجه الخطيب في تاريخه "187/10".



ص -243- الكاتب، حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، حدثنا أبو حذيفة البخاري، قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مولى القوم منهم"1، قال محمد بن قدامة: فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وفي أيام المأمون أحصى أولاد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا، ما بين ذكر وأنثى، وذلك في سنة مائتين.
وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس بن بكير راوي المغازي، وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة -رحمه الله- ومعروف الكرخي الزاهد، وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ، وإسحاق بن الفرات قاضي مصر، ومن أجلة أصحاب مالك، وأبو عمرو الشيباني اللغوي، وأشهب صاحب مالك، والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة الحافظ، وروح بن عبادة، وزيد بن الحباب، وأبو داود الطيالسي، والغازي بن قيس من أصحاب مالك، وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور، وعلي الرضا بن موسى الكاظم، والفراء إمام العربية، وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة، وقطرب النحوي، والواقدي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والنضر بن شميل، والسيدة نفسية، وهشام أحد النحاة الكوفيين، واليزيدي، واليزيد بن هارون، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة، وعبد الرزاق، وأبو العتاهية الشاعر، وأسد السنة، وأبو عاصم النبيل، والفريابي، وعبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن الحكم، وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية، والأصمعي وخلائق آخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عساكر "29642/10كنز".

المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد1
المعتصم بالله، أبو إسحاق، محمد بن الرشيد، ولد سنة ثمانين ومائة، كذا قال الذهبي، وقال الصولي: في شعبان سنة ثمانٍ وسبعين.
وأمه أم ولد، من مولدات الكوفة، اسمها ماردة، وكانت أحظى الناس عند الرشيد، روى عن أبيه، وأخيه المأمون، وروى عنه: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون.
وكان ذا شجاعة، وقوة، وهمة، وكان عريًّا من العلم.
فروى الصولي، عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشمي، قال: كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد مات غلامك، قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب، فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا، دعوه لا تعلموه، قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 218هـ وحتى 227هـ.



ص -244- وقال الذهبي: كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن.
وقال نفطويه والصولي: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمن؛ لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس، والثامن من ولد العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثماني عشرة، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، ومولده سنة ثمانٍ وسبعين، وعاش ثمانيًا وأربعين سنة، وطالعه العقرب، وهو ثامن برج، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانية أعداء، وخلف ثمانية أولاد، ومن الإناث كذلك، ومات لثمانٍ بقين من ربيع الأول.
وله محالسن، وكلمات فصيحة، وشعر لا بأس به، غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل.
وقال ابن أبي دؤاد: كان المعتصم يخرج ساعده إلي، ويقول: يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك، فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان.
وقال نفطويه: وكان من أشد الناس بطشًا، كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره.
وقال غيره: هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان.
وكان يتشبه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيتهم، وبلغ غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفًا.
وقال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به، فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب، والأبيات التي هجاه بها هذه:

ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم يأتنا في ثمانٍ منهم الكتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة غداة ثووا فيها وثامنهم كلب

وإني لأزهى كلبهم عنك رغبة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم وصيف وأشناس، وقد عظم الخطب

وإني لأرجو أن ترى من مغيبها مطالع شمس قد يغص بها الشرب

وهمك تركي عليه مهانة فأنت له أم وأنت له أب

بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقًا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين، وفيها تحول المعتصم من بغداد وبنى سر من رأى، ولك أنه اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك، قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار، قال: لا طاقة لي بذلك؛ فكان ذلك سبب بنائه: سر من رأى، وتحول إليها.



ص -245- وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتت جموعهم، وخرب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفًا وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس، وأنه يكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة، وهي هذه:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين، لا في السبعة الشهب

أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

تخرصًا وأحاديثًا ملفقة ليست بعجم إذا عدت ولا عرب

مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين، وكان قد ذلل العدو بالنواحي، ويقال: إنه قال في مرض موته: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}[الأنعام: 44] ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، وقيل: جعل يقول: أو خذ من بين هذا الخلق، وقيل: إنه قال: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي، ومن شعره:

قرب النحام واعجل يا غلام واطرح السرج عليه واللجام

أعلم الأتراك أني خائض لجة الموت فمن شاء أقام

وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب؛ ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها؛ فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم: إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك، وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي، فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته، وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات.
وقال الصولي: سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قط كظفره، أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك استيسان، وملك الشياصح، وملك فرغانة، وملك طخارستان، وملك الصفة، وملك كابل.
وقال الصولي: وكان نقاش خاتمه: الحمد الله الذي ليس كمثله شيء.
ومن أخبار المعتصم -أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها، إلا أنه افتتحها بقوله:



ص -246- يا دار غيرك البلى ومحاك يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟!

فتطير المعتصم، وتطير الناس، وتغامزوا، وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؟ وخرب المعتصم القصر بعد ذلك.
وأخرج عن إبراهيم بن العباس، قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه، وكان أول من ثرد الطعام وكثره، حتى بلغ ألف دينار في اليوم.
وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي.
وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول: من طلب الحق بماله وعليه أدركه.
وأخرج عن محمد بن عمر الرومي، قال: كان للمعتصم غلام يقال له: عجيب، لم ير الناس مثله قط، وكان مشغوفًا به، فعمل فيه أبياتًا، ثم دعاني، وقال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب، لحب أمير المؤمنين لي، وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا، وقد عملت في عجيب أبياتًا، فإن كانت حسنة وإلا فاصدقني، حتى أكتمها، ثم أنشد شعرًا.

لقد رأيت عجيبًا يحكي الغزال الربيبا

الوجه منه كبدر والقدر يحكي القضيبا

وإن تناول سيفًا رأيت ليثًا حريبًا

وإن رمى بسهام كان المجيد المصيبا

طبيب ما بي من الحب فلا عدمت الطبيبا

إني هويت عجيبًا هوى أراه عجيبًا

فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه، وأمر لي بخمسين ألف درهم.
وقال الصولي: حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابًا يهدده فيه، فلما قرئ عليه قال للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
وأخرج الصولي عن الفضل اليزيد قال: وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه: من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد.

ص -247- إن المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع

من لم يكن بأمين الله معتصمًا فليس بالصلوات الخمس ينتفع

إن أخلف القطر لم تخلف فواضله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع

فقال أبو وهيب: فينا من يقول خيرًا منه فيك، وقال:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها: شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

تحكى أفاعيله في كل نائبة الليث والغيث والصمصامة الذكر

ولما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك، جامعًا بين العزاء والهناء، فقال:

قلد قلت إذ غيبوك واصطفقت عليك أيد بالترب والطين

اذهب فنعم الحفيظ كنت على الدنيا ونعم الظهير للدين

ما يجبر الله أمة فقدت مثلك إلا بمثل هارون

حديث رواه المعتصم: قال الصولي حدثنا العلائي، حدثنا عبد الملك بن الضحاك، حدثني هشام بن محمد، حدثني المعتصم، قال: حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآن}[الإسرم: 60] فقيل له: أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: "ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية، إذا ملكوا جاروا، وإذا ائتمنوا خانوا"، وضرب بيده على ظهر عمه العباس، فقال: "يخرج الله من ظهرك يا عم رجلًا يكون هلاكهم على يده".
قلت: الحديث موضوع، وآفته العلائي.
وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، حدثني علي بن الحسين الحافظ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثنا ابن خلاد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي، حدثنا إسحاق بن يحيى معاذ، قال: كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: أنت في عافية، فقال: كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده، عن ابن عباس مرفوعًا: "من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه، مات فيه".
قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق، ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي، عن أحمد بن محمد بن الليث، عن منثور بن النضر، عن إسحاق.
وممن مات في أيام المعصتم من الأعلام: الحميدي شيخ البخاري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو غسان المهدي، وقالون المقرئ، وخلاد المقرئ، وآدم بن أبي إياس،



ص -248- وعفان، والقعنبي، وعبدان المروزي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وإبراهيم بن المهدي، وسليمان بن حرب، وعلي بن محمد المدائني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقرة بن حبيب، وعارم، ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ، وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكي، وسعدويه الواسطي، وأبو عمر الجرمي النحوي، ومحمد بن سلام البيكندي، وسنيد، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن يحيى التميمي، وآخرون.

الواثق بالله هارون1
الواثق بالله هارون، أبو جعفر -وقيل: أبو القاسم- ابن المعتصم بن الرشيد. أمه أم ولد رومية، اسمها قراطيس.
ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة، وولي الخلافة بعهد من أبيه، بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين.
وفي سنة ثمانٍ وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجًا مجوهرًا، وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانًا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه.
وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك، ثم رجع في آخر أمره.
وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدًا، وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال الواثق له: تكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك! يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟! إنما كفرت بربي وصفته، ما تقولون فيه؟ فقال: جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًّا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه. ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه، فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره، ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة، فقرأ سورة يس بلسان طلق، رويت هذه الحكاية من غير وجه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 227هـ، حتى 232هـ.



ص -249- وفي هذه السنة استفك من الروم ألفًا وستمائة أسير مسلم، فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله: من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر.
قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ويقال: إنه رجع عنه قبل موته.
وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبّلًا بالحديد من بلاده، فلما دخل -وابن أبي دؤاد حاضر- قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد بل علمه، قال: فكان يسعه ألا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا وضحك الواثق، وقام قابضًا على فمه ودخل بيتًا، ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسكت عنه ولا يسعنا، فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده، ولم يمتحن أحدًا بعدها، ومقت ابن أبي دؤاد من يومئذ.
والرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي.
قال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض، تعلوه صفرة، حسن اللحية، وفي عينيه نكتة.
قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.
وقال غيره: كان الواثق وافر الأدب، مليح الشعر، وكان يحب خادمًا أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم، والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق.

ياذا الذي بعذابي ظل مفتخرًا ما أنت إلا مليك جار إذا قدرا

لولا الهوى لتجارينا على قدر وإن أفق منه يومًا ما فسوف ترى

ومن شعر الواثق في خادمه:

مهج يملك المهج بسجى اللحظ والدّعج

حسن القد مخطف ذو دلال وذو غنج

ليس للعين إن بدا عنه باللحظ منعرج

وقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله، وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده، وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء، وكان شاعرًا، وكان أعلم الخلفاء بالغناء.
وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت، وكان حاذقًا بضرب العود، راوية للأشعار



ص -250- والأخبار.
وقال الفضل اليزيدي: لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق، فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم، كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق، وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئًا.
وقال يزيد المهلبي: كان الواثق كثير الأكل جدًّا.
وقال ابن فهم: كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلًا، وكل ما على الخوان من غضارة وصفحة، وسكرجة من ذهب، فسأله ابن أبي دؤاد ألا يأكل عليه للنهي عنه، فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال.
وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة، وأن قائلًا يقول له: لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت، فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك، فلم يعرفوا معناه، فوجه إلى أبي محلم وأحضره، فسأله عن الرؤيا والمرت، فقال أبو محلم: المرت: القفر الذي لا ينبت شيئًا، فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خالٍ من الإيمان خلو المرت من النبات، فقال له الواثق: أريد شاهدًا من الشعر في المرت، فبادر بعض من حضر فأنشد بيتًا لبني أسد:

ومرت مروتاة يحار بها القطا ويصبح ذو علم بها وهو جاهل

فضحك أبو محلم، وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك، فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت، فأمر له الواثق بمائة ألف دينار.
وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق، ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه.
وقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه إلى الغاية، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله.
ومن مديح علي بن الجهم فيه:

وثقت بالملك الواثق بالله النفوس ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس

أسد يضحك من شداته الحرب العبوس أنس السيف به واستوحش الطلق النفيس

يا بني العباس يأبى الله إلا أن تروسوا



ui] fkd hgufhs fhguvhr * 5



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1ReZG7r
via IFTTT

عهد بني العباس بالعراق * 4

ص -226- وكان أفضل رجال بني العباس حزمًا، وعزمًا، وحلمًا، وعلمًا، ورأيًّا، ودهاء، وهيبة، وشجاعة، وسؤددًا، وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ولم يلِ الخلافة من بني العباس أعلم منه، وكان فصيحًا مفوّهًا، وكان يقول: معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسي؛ وكان يقال: لبني العباس فاتحة، وواسطة، وخاتمة، فالفاتحة السفاح، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد، وقيل: إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثًا وثلاثين ختمة، وكان معروفًا بالتشيع، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى علي الرضا كما سنذكره.
قال أبو معشر المنجم: كان المأمون أمّارًا بالعدل، فقيه النفس، يعدّ من كبار العلماء.
وعن الرشيد قال: إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع -يعني نفسه- لنسبته، وقد قدمت محمدًا عليه، وإني لأعرف أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه.
استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمانٍ وتسعين وهو بخراسان، واكتنى بأبي جعفر.
قال الصولي: وكانوا يحبون هذه الكنية؛ لأنها كنية المنصور، وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كنى بها كالمنصور والرشيد.
وفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد، وجعل ولي العهد من بعده علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل: إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه، وهو الذي لقبه الرضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك السواد ولبس الخضرة، فاشتد ذلك على بني العباس جدًّا، وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدي، ولقب: المبارك، فجهز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وسار المأمون إلى نحو العراق، فلم ينشب علي الرضا أن مات في سنة ثلاث، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي، وقد مات، فردوا جوابه أغلظ جواب، فسار المأمون، وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده، فاختفى في ذي الحجة، فكانت أيامه سنتين إلا أيامًا، وبقي في اختفائه مدة ثماني سنين.
ووصل المأمون إلى بغداد في صفر سنة أربع، فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك.
وأسند الصولي أن بعض آل بيته قالت: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم، فقال: إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولى لم يولِ أحدًا من بني هاشم شيئًا، ثم عمر ثم عثمان كذلك، ثم ولي علي فولّى عبد الله بن عباس البصرة، وعبيد الله اليمن، ومعبدًا مكة، وقثم البحرين، وما ترك أحدًا منهم حتى ولاه شيئًا؛ فكانت هذه منّة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت.



ص -227- وفي سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وبلغ جهازها ألوفًا كثيرة، وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يومًا، وكتب رقاعًا فيها أسماء ضياع له، ونثرها على القواد والعباسيين؛ فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها، ونثر صينية ملئت جوهرًا بين يدي المأمون عندما زفت إليه.
وفي سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب.
وفي سنة اثنتي عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافًا إلى تفضيل عليّ على أبي بكر وعمر، فاشمأزت النفوس منه، وكاد البلد يفتتن، ولم يلتئم له من ذلك ما أراد، فكفذ عنه إلى سنة ثماني عشرة.
وفي سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم، ففتح حصن قرة عنوة، وحصن ماجدة، ثم صار إلى دمشق، ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون، ثم عاد إلى دمشق، ثم توجه إلى مصر ودخلها؛ فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين، ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم.
وفي سنة ثماني عشرة امتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوة الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله، وعمىً عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، وذلك أنهم ساووا بين الله وبين ما أنزل من القرآن؛ فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه، وقد قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}[الزخرف: 3] فكل ما جعله الله فقد خلقه، كما قال الله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}[الأنعام: 1] وقال: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَق}[طه: 99] فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت}[هود: 1] والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه، ثم انتسبوا إلى السنة، وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر؛ فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السّمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظًّا، وأوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمى عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبالتوحيد، وكان عمّا سوى ذلك أعمى وأضل سبيلًا، ولعمر أمير المؤمنين، إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرّص الباطل، ولم يعرف الله حق معرفته، فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون،



ص -228- واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي، ولا واثق بمن لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضًا في أشخاص سبعة أنفس -وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي- فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد، وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا ثم أجابوه تقيّةً.
وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة، وامتنع آخرون؛ فكتب يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف.
ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحاق، وأمره بإحضار من امتنع، فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل، وبشر بن وليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمرو القواريري، وعلي بن الجعد، وسجادة، والذيال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وسعدويه الواسطي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرس، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا، فقال لبشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب، قال: أقول: كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه، ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: القرآن كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا أطعنا، وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك، ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله، قال أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، لا أزيد على هذا، ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم، وقال ابن البكاء الأكبر: أقول: القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك، فقال له إسحاق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق؟ قال لا أقول مخلوق، ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسوا الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية، ويقول في الكتاب: فأمّا ما قال بشر فقد كذب، لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، فإن تاب فأشهر أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون



ص -229- القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه، وابعث إلينا برأسه، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه، وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم؟ وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله، وأما أحمد بن يزيد العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبي في عقله، لا في سنه، جاهل يحسن الجواب إذا أدب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك، وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير الؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدل على جهله وأفنه بها، وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخفَ على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، يعني في ولاية القضاء، وأما الزياد فأعلمه أنه كانت منتحلًا ولاء أوّل دعيّ، فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه، وذكر أنه إنما قيل له: الزيادي، لأمر من الأمور.
قال: وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبّه خساسة عقله بخساسة متجره، وأما ابن نوح والمعروف بأبي معمر وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف عن التوحيد، وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحلّ ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركًا وصاروا للنصارى شبهًا؟ وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام، وأما سعدويه الواسطي فقل له قبح الله رجلًا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى وحكّه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد، وأما القواريري ففيما تكشّف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه، وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف، وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديًا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه، وإنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم، وقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها، وتلجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقر ذميمًا، فأنصصه عن إقراره، فإن كان مقيمًا عليه فأشهر ذلك وأظهره، ومن لم يرجع عن شركه -ممن سميت بعد بشر وابن المهدي- فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف.
قال: فأجابوا كلهم عند ذلك، إلا أحمد بن حنبل، وسجادة، ومحمد بن نوح، والقواريري، فأمر بهم إسحاق فقيدوا، ثم سألهم من الغد -وهم في القيود- فأجاب سجادة، ثم عاودهم ثالثًا فأجاب القواريري، ووجّه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم.



ص -230- ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم إليه، فحملوا إليه، فبلغتهم وطأة المأمون قبل وصولهم، إليه، ولطف الله بهم، وفرج عنهم.
وأما المأمون فمرض بالروم، فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها: من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده، بهذا النص، فقيل: إن ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشيٍ أصابه.
ومات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة بالبذندون من أقصى الروم، ونقل إلى طرسوس، فدفن بها.
قال المسعودي: كان نزل على عين البذندون، فأعبجه بردُ مائها وصفاؤها وطيبُ حسن الموضع، وكثرة الخضرة، فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة، فأعجبته، فلم يقدر أحد أن يسبح في العين لشدة بردها، فجعل لمن يخرجها سيفًا، فنزل فراش فاصطادها وطلع، فاضطربت وفرت إلى الماء، فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه، ثم نزل الفراش ثانية فأخذها، فقال المأمون: تلقى الساعة، فأخذته رعدة، فغطي باللحف -وهو يرتعد ويصيح- فأوقدت حوله نار، فأتى بالسمكة، فما ذاقها لشغله بحاله، ثم أفاق المأمون من غمرته، فسأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل: مد رجليك، فتطير به، ثم سأل عن اسم البقعة، فقيل: الرقة، وكان فيما علم من مولده أنه يموت بالرقة، فكان يتجنب نزول الرقة فرقًا من الموت لما سمع هذا من الروم عرف وأيس، وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه، ولما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزومي:

هل رأيت النجوم أغنت عن المأ مون أو عن ملكه المأسوس

خلّفوه بعرصتي طرطوس مثل ما خلّفوا أباه بطوس

قال الثعالبي: لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبرًا من الرشيد والمأمون. قال: وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد، ولم يرَ الناس مثلهم: فقبر عبد الله بالطائف، وعبيد الله بالمدينة، والفضل بالشام، وقثم بسمرقند، ومعبد بإفريقية.
فصل: في نبذ من أخبار المأمون
قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال: كنا بين يدي المأمون، فعطس، فلم نشمته، فقال: لم لا تشمتونني؟ قلنا: أجللناك يا أمير المؤمنين، قال: لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء.
وأخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدب المأمون، فأتيته يومًا -وهو داخل- فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني، فأبطأ ثم وجهت إليه آخر، فأبطأ فقلت: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة، فقيل: أجل، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه



ص -231- ولقوا منه أذى شديدًا، فقومه بالأدب، فلما خرج أمرت بحمله، فضربته سبع درر، قال: فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منه منديلًا، فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشه، فقعد متربعًا، ثم قال ليدخل، فدخل، فقمت عن المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه، ثم خرج، فجئت فقلت: لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر، فقال لي: يا أبا محمد، ما كنت أطلع الرشيد على هذه، فكيف بجعفر؟ إني أحتاج إلى أدب.
وأخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال: أراد الرشيد سفرًا، فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعملهم أنه خارج بعد الأسبوع، فمضى الأسبوع ولم يخرج، فاجتمعوا إلى المأمون، فسألوه أن يستعلم ذلك، ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر، فكتب إليه المأمون:

يا خير من دبت المطي به ومن تقدى بسرجه فرس

هل غاية في المسير نعرفها أم أمرنا في المسير ملتبس؟

ما علم هذا إلا إلى ملك من نوره في الظلام نقتبس

إن سرت سار الرشاد متبعًا إن تقف فالرشاد محتبس

فقرأها الرشيد، فسر بها، ووقع فيها: يا بني ما أنت والشعر، إنما الشعر أرفع حالات الدنى، وأقل حالات السرى. تقدّى: أي استمر.
وأخرج عن الأصمعي قال: كان نقش خاتم المأمون: عبد الله بن عبد الله.
وأخرج عن محمد بن عبد الله قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون.
قلت: وقد رددت هذا الحصر فيما تقدم.
وأخرج عن ابن عيينة قال: جمع المأمون العلماء، وجلس للناس، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين مات أخي وخلّف ستمائة دينار، أعطوني دينارًا وقالوا: هذا نصيبك، قال: فحسب المأمون ثم كسر الفريضة، ثم قال لها: هذا نصيبك، قال له العلماء كيف علمت يا أمير المرمنين؟ فقال: هذا الرجل خلف ابنتين؟ قالت: نعم، قال: فلهن الثلثان أربعمائة، وخلف والدة فلها السدس مائة، وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، وبالله ألك اثنا عشر أخًا؟ قالت: نعم، قال: أصابهم ديناران، ديناران، وأصابك دينار.
وأخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال: تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلاثمائة لون، قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه، فقال: هذا نافع لكذا، ضار لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليتجنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا، ومن قصد قلة الغذاء



ص -232- فليقتصر على هذا، فقال له يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هومس في حسابه، أو في الفقه كنت على بن أبي طالب -رضي الله عنه- في علمه، أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته، أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته، أو الكرم أنت كعب بن مامة في فعاله، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسرّ بهذا الكلام، وقال: إن الإنسان إنما فضل بعقله، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم.
وأخرج عن يحيى بن أكثم: ما رأيت أكمل من المأمون، بت عنده ليلة فانتبه فقال: يا يحيى انظر إيش عند رجلي؟ فنظرت فلم أر شيئًا، فقال: شمعة، فتبادر الفراشون، فقال: انظروا، فنظروا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب، فقال: معاذ الله ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:

يا راقد الليل انتبه إن الخطوب لها سرى

ثقة الفتى بزمانه ثقة محللة العرى

فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر، إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت.
وأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره، من غير أن يكون سمعه، قال: إني أنشدته بيتًا أجدت فيه فلم أره تحرك له وهو هذا:

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلًا بالدين، والناس في الدنيا مشاغيل

فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولًا عنها، فهو المطوق لها؟ ألا قلت كما قال عمك في الوليد:

فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

قال ابن عساكر: أخبرنا أبو العز بن كادش، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون يمرو على أطمار، فقال لي: يا نصر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، قال: لا، ولكنك تتقشف، فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز"، قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم: حدثني عوف الأعرابي، عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها ولجمالها كان فيه سداد -بالكسر- من عوز". وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: السداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم ههنا، وإنما لحن هشيم وكان لحانًا، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد -بالفتح- القصد في السبيل، والسداد -بالكسر- البلغة وكل



ص -233- ما سددت به شيئًا فهو سداد، قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

فأطرق المأمون مليًّا، ثم قال: قبح الله من لا أدب له ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان:

تقول لي والعيون هاجعة أقم علينا يومًا فلم أقم

أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها لأي وجه إلا إلى الحكم؟

متى يقول حاجبًا سرادقه هذا ابن بيض بالباب يبتسم

قد كنت أسلمت فيك مقتبلًا هيهات ادخل فأعطني سلمى

أسلمت: أسلفت، مقتبلًا: آخذًا قبيلًا: أي كفيلا.
قال: أنشدني أنصف بيت قالته العرب، قلت: قول ابن أبي عروبة المديني:

إني وإن كان ابن عمي عاتبًا لمزاحم من خلفه وورائه

ومفيد نصري وإن كان امرأً متزحزحًا في أرضه وسمائه

وأكون والي سره، وأصونه حتى يحن إلى وقت أدائه

وإذا الحوادث أجحفت بسوامه قرنت صحيحتنا إلى جربائه

وإذا دعا باسمي ليركب مركبًا صعبًا قعدت له على سيسائه

وإذا أتى من وجهه بطريقة لم أطلع فيما وراء خبائه

وإذا ارتدى ثوبًا جميلًا لم أقل: يا ليبت أن علي حسن ردائه

قال: أنشدني أقنع بيت قالته العرب، فأنشدته قول ابن عبدل:

إني امرؤ لم أزل، وذاك من الله، أديبًا أعلم الأدبا

أقيم بالدار ما اطمأن بي الـ دار، وإن كنت نازحًا طربًا

لا أحتوي خلة الصديق، ولا أتبع نفسي شيئًا إذا ذهبا

أطلب ما يطلب الكريم من الـ رزق بنفسي، وأجمل الطلبا

إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صنيعة رغبا

والعبد لا يطلب العلاء، ولا يعطيك شيئًا إلا إذا رهبا

مثل الحمار الموقع السوء لا يحسن شيئًا إلا إذا ضربا

لم أجد عروة العلائق إلا الـ دين لما اختبرت والحسبا

قد يرزق الخافض المقيم وما شد بعيس رحلا ولا قتبا

ويحرم الرزق ذو المطية والر حل ومن لا يزال مغتربًا



ص -234- قال: أحسنت يا نضر، وأخذ القرطاس، فكتب شيئًا لا أدري ما هو، ثم قال: كيف تقول أفعل من التراب؟ قلت: أترب، قال: ومن الطين؟ قلت: طن، قال: فالكتاب ماذا؟ قلت: مترب مطين، قال: هذه أحسن من الأول، فكتب لي بخمسين ألف درهم، ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل، فمضيت معه، فلما قرأ الكتاب قال: يا نضر لحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا! ولكن هشيم لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، فأمر لي من عنده بثلاثين ألفًا، فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفًا.
وأخرج الخطيب1 عن محمد بن زياد الأعرابي قال: بعثت إلى المأمون، فصرت إليه، هو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم، فرأيتهما موليين، فجلست، فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة فسمتعه يقول ليحيى: يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام، ثم رد علي السلام، فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة:

نحن بنات طارق نمشي على النمارق مشي قطا الهمارق

من طارق هذا؟ فنظرت في نسبها، فلم أجده فقلت: يا أمير المؤمنين ما أعرف في نسبها، فقال: إنما أرادت النجم، وانتسبت إليه لحسنها، من قول الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِق}[الطارق: 1] فقلت: فأيده يا أمير المؤمنين، فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه، ثم رمى إليّ بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم.
وأخرج عن أبي عبادة قال: كان المأمون أحد ملوك الأرض، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.
وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال: دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال له المأمون ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}[المائدة: 44] قال: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم، قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة، قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل، قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وأخر ابن عساكر عن محمد بن منصور، قال: قال المأمون: من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه.
وأخرج عن سعيد بن مسلم قال: قال المأمون: لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف، ويخلص السرور إلى قلوبهم.
وأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية، فقال له: والله لأقتلنك، فقال يا أمير المؤمنين تأنَّ علي، فإن الرفق نصف العفو، قال: وكيف وقد حلفت لأقتلنك؟ فقال: لأن تلقى الله حانثًا خيرًا من أن تلقاه قاتلًا؛ فخلّى سبيله.
وأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح، قال: بت عند المأمون ليلة، فنام القيم الذي كان يصلح السراج، فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول: ربما أكون في المتوضأ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في تاريخه "281/5".



ص -235- فيشتمني الخدام ويفترون عليّ، ولا يدرون أني أسمع، فأعفو عنهم1.
وأخرج الصولي عن عبد الله بن البواب، قال: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا وجلس مرة يستاك على دجرة من وراء ستر -ونحن قيام بين يديه- فمر ملاح وهو يقول: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني -وقد قتل أخاه- قال: فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟
وأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكرم من المأمون، بت عنده ليلة فأخذه سعال، فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه2.
وكان يقول: أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون: يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإني الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالًا، أو يبقى لأحد نعمة.
وأخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: قال المأمون: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدر تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
وأخرج عن العتبي قال: سمعت المأمون يقول: ما أقبح اللجاجة بالسلطان، وأقبح من ذلك بالضجر من القضاة قبل التفهم، وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبح منه البخل بالأغنياء، والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل.
وأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال: قال المأمون: أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه.
وأخرج عن مخارق قال: أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:

وإني لمحتاج إلى ظل صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه

فقال لي: أعد فأعدت سبع مرات، فقال: يا مخارق، خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب.
وأخرج عن هدبة بن خالد قال: حضرت غداء المأمون، فلما رفعت المائدة جعل ألتقط ما في الأرض، فنظر إلي المأمون، فقال: أما شبعت؟ قلت: بلى، ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر". فأمر لي بألف دينار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في تاريخه "46/11".
2 أخرجه الخطيب في تاريخه "191/14".



ص -236- وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال: لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، أهدى الناس إلى الحسن، فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح، وفي الآخر أشنان، وكتب إليه، جعلت فداك! خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته، فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون، فاستحسن ذلك، وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير.
وأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول: أنا والله ألذ العفو حتى أخاف ألا أوجر عليه، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إليّ بالذنوب.
وأخرج الخطيب عن منصور البرمكي قال: كان للرشيد جارية، وكان المأمون يهواها؛ فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه، إذ أشار إليها بقبلة، فزجرته بحاجبها، وأبطأت عن الصب، فنظر إليها هارون فقال: ما هذا؟ فتلكأت عليه، فقال: إن لم تخبريني لأقتلنك، فقالت: أشار إلي عبد الله بقبلة، فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه فاعتنقه، وقال: أتحبها؟ قال: نعم، قال: قم فادخل بها في تلك القبة، فقام، فلما خرج قال له: قل في هذا شعرًا، فقال:

ظبي كنيت بطرفي عن الضمير إليه

قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه

ورد أحسن رد بالكسر من حاجبيه

فما برحت مكاني حتى قدرت عليه

وأخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النخاسين يقول: عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية، فساومته في ثمنها بألفي دينار، فقال المأمون: إن هي أجازت بيتًا أقوله ببيت من عندها أشتريها بما تقول وزدتك، فأنشد المأمون:

ماذا تقولين فيمن شفه أرق من جهد حبك حتى صار حيرانًا

فأجازته:

إذا وجدنا مُحِبًا قد أضر به داء الصبابة أوليناه إحسانًا

وأخرج الصولي عن الحسين الخليع قال: لما غضب علي المأمون ومنعني رزقًا لي عملت قصيدة أمتدحه بها ودفعتها إلى من أوصلها إليه، وأولها:

أجرني فإني قد ظمأت إلى الوعد متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد

أعيذك من خلف الملوك، وقد ترى تقطع أنفاسي عليك من الوجد

أيبخل فرد الحسن عني بنائل قليل وقد أفردته بهوى فرد

إلى أن قال:



ص -237- رأى الله عبد الله خير عباده فملكه، والله أعلم بالعبد

ألا إنما المأمون للناس عصمة مفرقة بين الضلالة والرشد

فقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل:

أعيناي جودا وابكيا لي محمدًا ولا تذخرا دمعًا عليه وأسعدا

فلا تمت الأشياء بعد محمد ولا زال شمل الملك فيه مبددًا

ولا فرح المأمون بالملك بعده ولا زال في الدنيا طريدًا مشردًا

فهذا بذاك، ولا شيء له عندنا، فقال له الحاجب: فأين عادة أمير المؤمنين في العفو؟ فقال: أما هذا فنعم، فأمر له بجائزة، ورد رزقه عليه.
وأخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال: لما قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر.
وأخرج عن محمد بن العباس قال: كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديدًا، ويقول: هذا يشحذ الذهن، واقترح فيها أشياء. وكان يقول: لا أسمعن أحدًا يقول: تعال حتى نلعب، ولكن يقول: نتداول، أو نتناقل، ولَمْ يكن حاذقًا بها.
وكان يقول: أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين.
وأخرج عن ابن أبي سعيد قال: هجا دعبل المأمون، فقال:

إني من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك وشرفتك بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الأوهد

فلما سمعها المأمون لم يزد على أن قال: ما أقل حياء دعبل! متى كانت خاملًا وقد نشأت في حجر الخلفاء؟ ولم يعاقبه.
وأخرج من طرق عدة: أن المأمون كان يشرب النبيذ.
وأخرج عن الجاحظ قال: كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد، سوى ساقيه فإنهما صفراوان كأنمهما طليتا بالزعفران.
وأخرج عن إسحاق الموصلي قال: قال المأمون: ألذ الغناء ما طرب له السامع، خطأ كان أو صوابًا.
وأخرج عن علي بن الحسين قال: كان محمد بن حامد واقفًا على رأس المأمون وهو يشرب، فاندفعت عريب، فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كحاشية البرد اليماني المسهم
فأنكر المأمون ألا تكون ابتدأت بشيء، فأمسك القوم، فقال: نفيت من الرشيد، لئن لم أصدق عن هذا لأقررن بالضرب الوجيع عليه، ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة، ولئن صدقت لأبلغن الصادق أمله، فقال محمد بن حامد: أنا يا سيدي أومأت لها بقبلة، فقال: الآن جاء

ص -238- الحق، صدقت أتحب أن أزوجك بها؟ قال: نعم، فقال المأمون: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين، لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي، ومهرتها عنه أربعمائة درهم، على بركة الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- خذ بيدها فقامت معه، فصار المعتصم إلى الدهليز، فقال له: الدلالة، قال: لك ذاك، قال: دلالتي أن تغنيني الليلة، فلم تزل تغنيه إلى السحر وابن حامد على الباب، ثم خرجت، فأخذت بيده، ومضت عليه.
وأخرج عن أبي دؤاد قال: أهدى ملك الروم إلى المأمون هدية، فيها مائتا رطل مسك ومائتا جلد سمور، فقال: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.
وأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال: قال المدائني للمأمون: إن معاوية قال: بنو هاشم أسود وأحداء، ونحن أكثر سيدًا، فقال المأمون: إنه قد أقر وادعى، فهو في ادعائه خصم، وفي إقراره مخصوم.
وأخرج عن أبي أمامة قال: حدثني بعض أصحابنا أن أحمد بن أبي خالد قرأ القصص يومًا على المأمون، فقال: فلان الثريدي -وهو اليزيدي- فضحك المأمون، وقال: يا غلام هات طعامًا لأبي العباس فإنه أصبح جائعًا، فاستحيا وقال: ما أنا بجائع، ولكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء، فقال: علي ذلك، فجاءه بطعام، فأكل حتى انتهى، ثم عاد فمر في قصة: فلاح الحمصي، فقال الخبيصي فضحك المأمون، وقال يا غلام جامة فيها خبيص، فقال: إن صاحب القصة كان أحمق، فتح الميم فصارت كأنها سنتان، فضحك، وقال: لولو حمقهما لبقيت جائعًا.
وأخرج عن أبي عباد قال: ما أظن الله خلق نفسًا هي أنبل من نفس المأمون ولا أكرم.
وكان قد عرف شره 1 أحمد بن أبي خالد، فكان إذا وجهه في حاجة غداه قبل أن يرسله، ورفع إليه في قصة: إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبي خالد نزلًا فإنه يعين الظالم بأكله، فأجرى المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته.
وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس، فقال دعبل الشعر:

شكرنا الخليفة إجراءه على ابن أبي خالد نزله

فكف أذاه عن المسلمين وصير في بيته شغله

وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال: سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو غدر أو يمن، وقد وهبتهما لك، ولا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأغفر، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
وأخرج عن الجاحظ قال: قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلًا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكي، والمأمون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الشره: غلبة الحرص والمعنى هنا غلبة الحرص على الطعام. مختار الصحاح "337".



ص -239- وأخرج السلفي في الطيوريات عن حفص المدائني قال: أتى المأمون بأسود قد ادعى النبوة وقال: أنا موسى بن عمران، فقال له المأمون: إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء فأخرج يدك بيضاء حتى أومن بك، فقال الأسود: إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون: أنا ربكم الأعلى، فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء، وإلا لم تبيض.
وأخرج أيضًا: أن المأمون قال: ما انفتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها، ونعله في يده، فوقف على طرف البساط وقال: السلام عليكم، فرد عليه المأمون، فقال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه، جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا، بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي، فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على الرضا بي، ورأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام، ومرج أمرهم، وتنازعوا، وبطل الجهاد والحج، وانقطعت السبل، فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر، فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وذهب.
وأخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال: حج الرشيد، فدخل الكوفة، فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون، فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث، فقال المأمون: يا عم أتأذن لي أن أعيدها من حفظي؟ قال: افعل، فأعادها، فعجب من حفظه.
وقال بعضهم: استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرص، هكذا ذكره الذهبي مختصرًا.
وقال الفاكهي: أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون، واستمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر، إلا أن محمود بن سبكتكين كساها في خلال هذه المدة ديباجًا أصفر.
ومن كلام المأمون: لا نز هة ألذ من النظر في عقول الرجال، وقال: أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل، وقال: أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس، وقال الناس ثلاثة: فمنهم مثل الغذاء لابد منه على كل حال، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال.
وقال: ما أعياني جواب أحد مثلما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة، قدمه أهلها فشكا عاملهم، فقلت: كذبت، بل هو رجل عادل، فقال صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا، قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد خذه واستعمله على بل آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا، فقلت: قم في غير حفظ الله، عزلته عنكم.
ومن شعر المأمون:



ص -240- لساني كتوم لأسراركم ودمعي نموم لسري مذيع

فلولا دموعي كتمت الهوى ولولا الهوى لم يكن لي دموع

وله في الشطرنج:

أرض مربعة حمراء من أدم ما بين إلفين معروفين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتالا لها حيلًا من غير أن يأثما فيها بسفك دم

هذا يغير على هذا، وذاك على هذا يغير، وعين الحزم لم تنم

فانظر إلى فطن جالت بمعرفة في عسكرين بلا طبل ولا علم

وأخرج الصولي عن محمد بن عمرو، قال: دخل أصرم بن حميد على المأمون -وعنده المعتصم- فقال: يا أصرم، صفني وأخي، ولا تفضل واحدًا منا على صاحبه، فأنشد بعد قليل:

رأيت سفينة تجري ببحر إلى بحرين دونهما البحور

إلى ملكين ضوؤهما جميعًا سواء، حار دونهما البصير

كلا الملكين يشبه ذاك هذا وذا هذا، وذاك وذا أمير

فإن يك ذاك ذا أو ذاك هذا فلي في ذا وذاك معًا سرور

رواق المجد ممدود على ذا وهذا وجهه بدر منير

ذكر أحاديث من رواية المأمون: قال البيهقي: سمعت الإمام أبا عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا أحمد الصيرفي، سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة، فلما سلم كبر الناس، فرأيت المأمون خلف الدرابزين وهو يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غدًا سنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم- فلما كان يوم الأضحى حضرت إلى الصلاة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، حدثنا هشيم بن بشير، حدثنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن دينار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه، ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة"1. الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، اللهم أصلحني واستصلحني، وأصلح على يدي. قال الحاكم: هذا الحديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد وهو عندنا ثقة مأمون، ولم يزل في القلب منه شيء حتى ذاكرت به أبا الحسن الدارقطني فقال: هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر، فقلت: هل من متابع فيه لشيخنا أبي أحمد؟ فقال: نعم، ثم قال: حدثني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات، حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروزباذي، حدثنا محمد بن عبد الملك التاريخي -قال الدارقطني: وما فيهم إلا ثقة مأمون- حدثنا جعفر الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت المأمون، فذكر الخطبة والحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البيهقي في السنن "276/9"، والبيهقي في شعب الإيمان "3727/5".



ui] fkd hgufhs fhguvhr * 4



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1XoFcA7
via IFTTT