Menu

في مسجدنا اعلان دخول رجل في الاسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جمعة مباركة على جميع المسلمين ان شاء الله
اليوم احبتي بعد الفراغ من صلاة الجمعة قام شخص ومعه آخر وامسك بماكرفون الامام
واعلان ان الرجل الذي يرافقة يريد الدخول في الاسلام فلقنه الشهادتين وكبر المصلين وحمدو الله وقاموا
بسلام على اخونا الجديد ومعانقته فرحا بذلك .....فاللهم ثبت اخونا هذا على دينك ....ورزقه حلاوة الايمان
...واغنه بحلالك وبفضلك ورحمتك عمن سواك ياجواد ....آمين..... وشكراً لكم



td ls[]kh hughk ]o,g v[g hghsghl



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/288gysA
via IFTTT

الخميس، 2 يونيو 2016

الاعضاء الكرام جميعا بخصوص عمل اكثر من عضوية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
الاخوة الافاضل
لوحظ الفترة الاخيرة تكرار العضويات اي هناك اعضاء يقومون بالتسجيل باكثر من عضوية او اكثر
لدلك كل عضو لة اكثر من عضوية يكتب هنا ويطلب الغاء احداهم قبل اجراء عملية الفرز وكتابة الاسماء في موضوع علي العام ، واتخاد الاجراء القانوني المناسب

حفظكم الله جميعا



hghuqhx hg;vhl [lduh fow,w ulg h;ev lk uq,dm



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1X1ogAO
via IFTTT

محمدربيع يستخدم عدة عضويات لدخول المنتدى !!

محمدربيع ... يبدوا أنه يستخدم عضوية [url=http://ift.tt/1TRTSbG] مصطفي الحلواني[/url] و [url=http://ift.tt/25zIROy] الازرق الاصلى[/url] و [url=http://ift.tt/1sQ7TdP] محمدربيع[/url] لدخول المنتدى من نفس الكمبيوتر والله أعلم !!


lpl]vfdu dsjo]l u]m uq,dhj g]o,g hglkj]n !!



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1Uy6qCd
via IFTTT

الازرق الاصلى يستخدم عدة عضويات لدخول المنتدى !!

الازرق الاصلى ... يبدوا أنه يستخدم عضوية [url=http://ift.tt/1TRTSbG] مصطفي الحلواني[/url] و [url=http://ift.tt/25zIROy] الازرق الاصلى[/url] لدخول المنتدى من نفس الكمبيوتر والله أعلم !!


hgh.vr hghwgn dsjo]l u]m uq,dhj g]o,g hglkj]n !!



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1TRTZ78
via IFTTT

قصه وعبره

وقع حصآن أحد المُزارعين في بئر ، وكانت جآفة من المياه ، بدأ الحصان بالصهيل و أستمر لعدّة ساعآت .. كآن المُزارع وقتهآ يفكر بطريقة لإستعادة الحصان .. لم يستغرقه التفكير طويلاً حتى أقنع نفسه بأن الحصان قد أصبح عجوزاً وأن تكلفة استخراجه توازي تكلفة شراء حصآن جديد .
نادى المُزآرع جيرانه لمساعدته في ردم البئر .. فيضرب عصفورين بحجر وآحد دفن الحصآن وردم البئر مجاناً بمساعدة جيرانه .
بدأ الجميع بإستخدام المجارف والمعاول بجمع التراب تمهيداً لإلقائه بالبئر .. أدرك الحصان ما قد صار الوضع إليه! وبدأ الجيران بردم البئر .
فجأة ...
سكت صوتُ صهيل الحصان .. أستغرب الجميع واقتربو من حآفة البئر لإستطلاع السبب في سكُوت الحصآن .. وجدوا أن الحصان كُلما نزل عليه التراب هزّ ظهره فيسقط عنه التُراب ثم يقف عليه .
وهكذآ كُلما رموا عليه التُراب نفضه عن ظهره واعتلاه ومع الوقت استمر النآس بعملهم والحصان بالصعود وأخيراً قفز الحصآن إلى خارج البئر .
وكذلك الحيآة تلقي بأثقالهآ واوجاعهآ عليك وكلمآ حاولت أن تنسى هُمومك فلن تنسآك وكل مشكلة تواجهك تلقي بهمومهآ عليك . يجب أن تنفضهآ عن ظهرك حتّى تتغلب عليهآ .. أنفضهآ جانباً وقف عليها واستمرّ بذلك لتجد نفسك يوماً في القمّة لا تتوقف ولا تستسلم أبداً مهما شعرت أن الآخرين يريدون دفنك حي .



rwi ,ufvi



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/25zg9gI
via IFTTT

الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل

الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل
أقسام الناس في التقوى والصبر
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل الشيخ الإمام، العالم العامل، الحبر الكامل، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، تقي الدين بن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم، عن الصبر الجميل والصفح الجميل، والهجر الجميل، وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس؟ فأجاب رحمه الله: الحمد لله، أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " مع قوله: " فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون " فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل.
ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان.
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني؟ أإلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك الغنى حتى ترضى " .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف. بخلاف الشكوى إلى المخلوق.
قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طليوساً كره أنين المرض وقال: إنه شكوى. فما أنّ حتى مات. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب " .
وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " . ولا بد للإنسان من شيئين: طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور، فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر، قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبلاً " إلى قوله: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط " ، وقال تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، وقال تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور " .


--------------------------------------------------------------------------------

وقد قال يوسف: " أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين - المسارعة إلى فعل المأمور، والتقاعد عن فعل المحظور، والصبر والرضا بالأمر المقدور، وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين، فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية، دون الدينية، فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه، ولا يميز بين توحيد الإلوهية، وبين توحيد الربوبية، فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات - سعيدها وشقيها - مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والنبي الصادق والمتنبي الكاذب، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء الله وأعداؤه، والملائكة المقربون والمردة الشياطين، فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية، وهو إن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره، ولا يشهد الفرق الذي فرق الله بين أوليائه وأعدائه، وبين المؤمنين والكافرين، والأبرار والفجار، وأهل الجنة والنار، وهو توحيد الألوهية، وهو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما يحبه ويرضاه، وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم " فهذا في السابقين.
ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم " وقال تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " الآية. وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها. وقال تعالى: " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله غفوراً رحيماً " .
فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم، وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهراً وباطناً وتارة ظاهراً فقط ويكثر المهاجرون، إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب. فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون، فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين.


--------------------------------------------------------------------------------

وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك. جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة، وكان معتنياً بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا. والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة، وجمع أيضاً في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب. وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي أحياناً آثاراً ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب.
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما.
وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير. وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعاً مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحياناً عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن إتباع الظن وما تهوى النفس.
فصل: وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء، فقال: " إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير " إلى قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً " وقال في أهل الفيء: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله.
وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق.


--------------------------------------------------------------------------------

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه، وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما أتاك من ه الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه، بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية، وأبعد عن الأخلاق الإسلامية، من التتار. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: " خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد، فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه، كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق، والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبراً على ما قدره وقضاه، كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك.
وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعاً في غير موضع من كتابه وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة لله تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وقال الله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور " ، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله. وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسوؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط " .
وقال أخوة يوسف له: " إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموماً وخصوصاً فقال تعالى: " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " وفي إتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقاً لخير الله وطاعة لأمره، وقال تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " .
وقال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار " . وقال تعالى: " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل " .
وقال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " .


--------------------------------------------------------------------------------

وقال تعالى: " استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى: " وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة " . وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضاً رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كاهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كاهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كاهل القسوة والهلع. والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، فبصبره يقوى وبلينه يرحم، وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " وقال: " من لا يَرحم لا يُرحم " وقال: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " والله أعلم. انتهى.
الشفاعة الشرعية والتوسل إلى الله
بالأعمال وبالذوات والأشخاص
بسم الله الرحمن الرحيم
وسئل أيضاً رحمه الله تعالى: هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم في طلب حاجة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله - أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضاً لعموم الخلق.
وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً.
وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به في حياته، ويتوسلون بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - فيسقون.
وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فالإستسقاء هو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا. وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما أجدب الناس في الشام استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي رضي الله تعالى عنه وقال: اللهم إنا نستشفع ونتوسل إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا، ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا بهذه المثابة وهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن.
وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلاً قال: أنا أستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال: " ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك " فأنكر عليه قوله: إنا نستشفع بالله عليك، ولم ينكر عليه قوله: نستشفع بك على الله - لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله في مثل قوله:
شفيعي إليك الله لا رب غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل
فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم، وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله ورسوله وكلاهما خطأ وضلال، بل هو سبحانه المسؤول المدعو الذي " يسأله من في السموات والأرض " والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب، وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر لأن الكبائر عندهم لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها.


--------------------------------------------------------------------------------

ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان بل يخرج من النار من في قلبه حبة من إيمان أو مثقال ذرة والاستشفاع به وبغيره هو طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله والسؤال بذاته بحضوره، فأما في مغيبه أو بعد موته فالإقسام به على الله والسؤال بذاته لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود رضي الله عنهما، ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ولا غيره فلم يقسموا بالمخلوق على الله عز وجل ولا سألوه بمخلوق نبي ولا غيره بل عدلوا إلى خيارهم كالعباس وكيزيد بن الأسود، وكانوا يصلون عليه في دعائهم، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إنا نتوسل إليك بعم نبينا، فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر عليهم أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء: نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو بنبيك أو بجاههم ونحو ذلك. ولا نقل عنهم أنهم تشفعوا عند قبره ولا في دعائهم في الصحراء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثناً، واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه الإمام مالك في الموطأ وغيره. وفي سنن أبي داود أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيداً " وقال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قال ذلك في مرض موته يحذر ما فعلوا: وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " .
وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه في " . روى النسائي نحو هذا الدعاء.


--------------------------------------------------------------------------------

وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك " قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في " . قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري، قال: " فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفعه في " قال: فدعا وقد كشف الله عن بصره. فهذا الحديث فيه التوسل إلى الله به في الدعاء. ومن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً حياً وميتاً، ومنهم من يقول: هذه قضية عين وليس فيها إلا التوسل بدعائه وشفاعته لا التوسل بذاته، كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلاً عنه فلو كان التوسل به حياً وميتاً مشروعاً لم يميلوا عنه وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، إلى غيره ليس ممن مثله، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث، بكل طريق، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه. وذلك أن التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو، فما زال المسلمون يسألونه أن يدعو لهم في حياته، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه ذلك لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين، وإن كان قد روي في ذلك حكايات مكذوبة عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع لكل مؤمن من كل مؤمن، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب لما استأذنه في العمرة: " لا تنسنا يا أخي من دعائك " حتى إنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له، مع أن عمر رضي الله عنه أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا عليه. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يدعو لأخيه في ظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الموكل به: آمين ولك مثل ذلك " فالطالب للدعاء من غيره نوعان: أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه، والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، لا يجوز أن يقول لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، ونحو ذلك. ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال: " إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله " وهذا في الاستعانة مثل ذلك. فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب ولهذا قال تعالى: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم " .
وفي دعاء موسى عليه الصلاة والسلام: وبك المستغاث.
وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقد قال تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً " .
وقال تعالى: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة " الآية. فبين أن من اتخذ النبيين أو الملائكة أو غيرهم أرباباً فهو كافر.
وقال تعالى: " قل دعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض - إلى قوله - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " .
وقال تعالى: " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " .


--------------------------------------------------------------------------------

وقال تعالى: " ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع " .
وقال تعالى: " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " الآية.
وقال تعالى عن صاحب ياسين: " وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون " الآية.
وقال تعالى: " ولا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له " .
وقال تعالى: " يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً " .
وقال تعالى: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " .
فالشفاعة نوعان: أحدهما التي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم وهي شرك.
والثانية أن يشفع الشفيع بأن المشفع الله التي أثبتها الله لعباده الصالحين. ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد تحت العرش قال: " فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال: أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع " . فإذا أذن الله في الشفاعة شفع لمن أراد الله أن يشفع فيه. قال أصحاب هذا القول: فلا يجوز أن يشرع ذلك في مغيبه بعد موته، وهو معنى الإقسام به على الله والسؤال بذاته، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فرقوا بين الأمرين، فإن في حياته صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك محذور ولا مفسدة، فإن أحداً من الأنبياء لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى أن يشرك به ولو كان شركاً أصغر، كما أن من سجد له نهاه عن السجود له، وكما قال: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد " وأمثال ذلك.
وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزيز وغيرهما ولهذا كانت الصلاة في حياته مشروعة عند قبره منهياً عنها والصلاة خلفه في المسجد مشروعة إن لم يكن المصلي ملاقاته والصلاة إلى قبره منهياً عنها.
فمعنا أصلان عظيمان: أحدهما أنه لا يعبد إلا الله، والثاني أن لا يعبد إلا بما شرع لا بعبادة مبتدعة، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فلا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة، وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة، وما علمه قال به وما لم يعلمه أمسك عنه " ولا تقف ما ليس لك به علم " ولا تقل على الله ما لا تعلمه.
وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو الملائكة أو بالأنبياء عليه الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه فإن للعلماء في ذلك قولين والصحيح أنه نهي تحريم ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " .
وفي الترمذي عنه أنه قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ولم يقل أحد من العلماء أنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتين لكن الذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح، ولا يستعاذ أيضاً بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج على أن كلام الله غير مخلوق بقوله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " فقد استعاذ بها والمخلوق لا يستعاذ به. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا بأس بالرقي ما لم يكن شركاً " كالتي فيها استعانة بالجن كما قال تعالى: " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً " وهذا مثل العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن وقد نهي عن كل قسم وعزيمة لا يعرف معناهما بحيث أن يكون فيهما ما لا يجوز فيهما ما لا يجوز من سؤال غيره.


--------------------------------------------------------------------------------

فسائل الله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه وإما أن يكون طالباً بذلك السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين، فإن كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز وإن كان طالباً من الله بذلك السبب كالطلب منه بدعاء الصالحين والأعمال الصالحة فهذا يصح لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، فإذا توسلنا بذلك كنا متوسلين تبقى عنده، وإما إذا لم نتوسل بدعائهم ولا بالأعمال الصالحة، ولا ريب أن لهم عند الله من المنازل أمراً يعود نفعه عليهم ونحن ننتفع من ذلك بإتباعنا لهم، ومحبتنا لهم، وبدعائهم لنا، فإذا توسلنا إلى الله بأيماننا بنبيه ومحبته وموالاته وإتباع سنته ونحو ذلك فهذا من أعظم الوسائل، وأما نفس ذاته مع عدم الإيمان به، وعدم طاعته وعدم دعائه لنا، فلا يجوز فالمتوسل إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به ولا بما منه ولا بما من الله فبأي شيء يتوسل؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك الغير مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان، وأما أن يسأل. كما يقال بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك، وقد علم أن الإقسام على الله بغير الله لا يجوز أن يقسم بمخلوق على الله أصلاً. وأما حديث الأعمى فإنه طلب من النبي أن يدعو له كما طلب الصحابة رضي الله عنهم الاستسقاء منه صلى الله عليه وسلم وقوله: " أتوجه إليك بنبيك محمد " أي بدعائه وشفاعته لي. ولهذا في تمام الحديث: فشفعه في. فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه. وقد قال تعالى: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون بالله وحده لا بالرحم، وتساؤلهم بالله متضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله. وأما على قراءة الخفض فقد قالت طائفة من السلف: هو قولك أسألك بالله وبالرحم. فمعنى قولك أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم فإن القسم بها لا يشرع لكن بسبب الرحم أي إن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً كسؤال " أصحاب الغار " الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم الصالحة ومن هذا - الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعةً ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة " فهذا الحديث عن عطية العوفي وفيه ضعف فإن كان هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين أحدهما أن فيه السؤال لله بحق السائلين عليه، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثيبهم، وهذا حق أحقه على نفسه سبحانه وتفضل به، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق شيئاً. ومنه قوله تعالى: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " " وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن " . وفي الصحيح من حديث معاذ: " حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم " فحق السائلين والعابدين له هو الإثابة والإجابة فذلك سؤال له في أفعاله كالاستعاذة وقوله: " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك " فالاستعاذة بالمعافاة التي هي فعله كالسؤال بإثباته التي هي فعله.


--------------------------------------------------------------------------------

وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يقول يا عبدي إنما هي أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي هي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئاً، والتي هي لك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة، والتي بينك وبين خلقي فائت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك " وتقسيمه في الحديث إلى قوله واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة بحيث يقول الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولاً وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن كنا خرجنا عن المراد.
الوجه الثاني الدعاء له والعمل له سبب لحصول مقصود العبد فهو كالتوسل بدعاء الرسول والصالحين من أمته، وقد تقدم أن الدعاء إما أن يكون إقساماً به أو تسبباً به، فإن قوله: بحق الصالحين إن كان إقساماً عليه فلا يقسم على الله إلا بصفاته. وإن كان تسبباً فهو تسبب لما جعله سبحانه سبباً وهو دعاؤه وعبادته، فهذا كله يشبه بعضه بعضاً وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق ولا عمل صالح منا، فإذا قال القائل أسألك بحق الأنبياء والملائكة والصالحين فإن كان يقسم بذلك فلا يجوز أن يقول وحق الملائكة وحق الأنبياء وحق الصالحين ولا يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء فإذا لم يجز أن يحلف به ولا يقسم، فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يقسم به فليس في ذوات هؤلاء سبب يوجب حصول مقصوده لكن لا بد من سبب منه كالإيمان بالأنبياء والملائكة أو منهم كدعائهم لنا - لكن كثير من الناس تعودوا ذلك كما تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله. وفي الحلية لأبي نعيم أن داود عليه السلام قال: يا رب بحق آبائي عليك يا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: " يا داود أي حق لآبائك علي؟ " وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما الغائب والميت فلا يطلب منه شيء.
وتحقيق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه إليه وبه لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند الله وأما لغة كثير من الناس أن يسأل بذلك ويقسم عليه بذلك والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال: أقسمت عليك يا رب بملائكتك ونحو ذلك بل إنما يقسم بالله وأسمائه وصفاته. فيقال: " أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت يا الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك " الحديث كما جاءت به السنة وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين الإسلام، وقوله: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك وحدك الأعلى وكلماتك التامة - مع أن في جواز الدعاء به قولين للعلماء فجوزه أبو يوسف ومنع منه أبو حنيفة وأمثال ذلك - فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة فإن ذلك لا ريب في فضله وحسنه فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وهو أجمع وأنفع، وأسلم وأقرب إلى الإجابة.


--------------------------------------------------------------------------------

وأما ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا كانت لكم إلى الله حاجة فاسألوا الله بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم " فهذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث والمشروع الصلاة عليه في كل دعاء. ولهذا ذكر الدعاء في الاستسقاء. وغيره ذكروا الأمر بالصلاة عليه، ولم يذكروا فيما يشرع للمسلمين في هذا الحال التوسل به كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستغاثة به في حال من الأحوال، وإن كان بينهما فرق فدعاء غير الله كفر بخلاف قول القائل إني أسألك بجاه فلان الصالح فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف أنه كان يدعو به.
ورأيت في فتاوى الفقيه الشيخ أبي محمد بن عبد السلام أنه لا يجوز ذلك في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا: لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء. ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به.
وأما الصلاة عليه فقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً " وفي الصحيح عنه أنه قال: " من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً " .
وفي المسند أن رجلاً قال: يا رسول الله أجعل عليك ثلث صلواتي قال: " يكفيك الله ثلث أمرك " فقال: " أجعل عليك نصف صلاتي " قال: " إذاً يكفيك الله ثلثي أمرك " فقال أجعل صلاتي كلها عليك فقال: " إذا يكفيك الله ما أهمك من أمور دنياك وآخرتك " .
وقد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية المبتدعة فينبغي إتباع ذلك.
والمراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدها: أن الدعاء لغير الله سواء كان المدعو حياً أو ميتاً وسواء كان من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم فيقال: يا سيدي فلان أغثني! وأنا مستجير بك ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله. والمستغيث بالمخلوقات قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها، وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به وإنما هو شيطان أضله وأغواه لما أشرك بالله كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك، ومثل هذا واقع كثيراً في زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي أو بغيري وذكروا أنه أتى شخص على صورتي أو صورة غيري وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من بركة لاستغاثة بي أو بغيري وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون الماضية كما ثبت ذلك فهذا شرك بالله نعوذ بالله من ذلك.
الثاني: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي وادع لنا ربك ونحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإن كان السلام على أهل القبور جائزاً ومخاطبتهم جائزة كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور وأن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " .
وقال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام " .
وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل مسلم سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " . لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات شيئاً.
وفي الإمام مالك: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبي " ثم ينصرف.


--------------------------------------------------------------------------------

وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، نقل عنهم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون وهم مستقبلوا القبر الشريف. وإن كان قد وقع في ذلك بعض الطوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة من لا اعتبار بهم فإنه لم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في الأمة لسان صدق. بل قد تنازع العلماء في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة ويستدبر القبر، وقال مالك والشافعي بل يستقبل القبر وعند الدعاء يستقبل القبلة ويستدبر القبر، ويجعل القبر عن يساره أو يمينه وهو الصحيح إذ لا محذور في ذلك.
الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته ونحو ذلك، فهو الذي تقدم عن أبي محمد أنه أفتى بأنه لا يجوز في غير النبي صلى الله عليه وسلم، وأفتى أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما أنه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء فكيف بغيرهم، وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور " أو قال: " فاستغيثوا بأهل القبور " فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة.
وقد قال تعالى: " وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده " الآية. وهذا مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك من اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن على ذلك من فعله تحذيراً من الفتنة باليهود فإن ذلك هو أصل عبادة الأصنام أيضاً فإن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين في قوم نوح عليه الصلاة والسلام فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره من العلماء فمن فهم معنى قوله: " إياك نعبد وإياك نستعين " عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده.
وقد يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستعانة لا تكون إلا بالله والتوكل لا يكون إلا على الله، وما النصر إلا من عند الله. فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو فلا يقدر عليه إلا سبحانه، وفي هذا القدر كفاية لمن هداه الله تعالى والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبته وسلم تسليماً كثيراً. انتهى.
أهل الصفة
وأباطيل بعض الصوفية المتصوفة فيهم وفي الأولياء وأصنافهم والدعاوى فيهم لشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية قدس سره: بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم في أهل الصفة كم كانوا؟ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة؟ وأين موضعهم الذي كانوا يقيمون به؟ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة أو كان منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب في القوت؟ وما كان تسببهم هل يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل؟ وما قول العلماء وفُّقهم الله تعالى فيمن يعتقد أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع المشركين؟ وفيمن يعتقد أن أهل الصفة أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن الستة الباقين من العشرة وأفضل من جميع الصحابة؟ وهل كان فيهم أحد من العشرة؟ وهل كان أحد في ذلك العصر ينذر لأهل الصفة؟ وهل تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ينشد لهم أشعاراً ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون؟


--------------------------------------------------------------------------------

وما قول العلماء في قوله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " هل هي عامة أم مخصوصة بأهل الصفة رضي الله عنهم؟ وهل هذا الحديث الذي يرويه كثير من العوام ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله لا الناس تعرفه ولا الولي يعرف أنه ولي " وهل تخفى حالة الأولياء أو طرقهم على أهل العلم أو غيرهم؟ ولماذا سمي الولي ولياً؟ وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ورسله وسيد خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته؟ هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا؟ والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع؟ وهل الأبدال مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم؟ وهل صحيح أن الولي يكون قاعداً في جماعة ويغيب جسده.
وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء؟.
وأيضاً فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم؟ ومن أي الطوائف يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم قلندر عنباً وكلمه بلسان العجم؟ وهل يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره؟ وهل يأثم من يساعده أم لا؟ وما تقولون فيمن يقول أن الست نفيسة هي باب الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر؟ وما تقولون فيمن يقول أن بعض المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم، وفيهم من يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر معهم؟ وماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد؟ وما صفة رجال الغيب وما قول من يقول أنه من خفراء التتار؟ وهل يكون للتتار خفراء أم لا؟ وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله عنهما صحيحة أم مكذوبة؟ وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله؟ والمسؤول من إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفاً شافياً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والحالة هذه أفتونا مأجورين أثابكم الله.
أجاب: رضي الله عنه وأرضاه آمين.
الحمد لله رب العالمين: أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر، وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم وكل هذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم " فهذا في السابقين.


--------------------------------------------------------------------------------

ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم " وقال تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " الآية. وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها. وقال تعالى: " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله غفوراً رحيماً " .
فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم، وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهراً وباطناً وتارة ظاهراً فقط ويكثر المهاجرون، إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب. فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون، فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين.
وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك. جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة، وكان معتنياً بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا. والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة، وجمع أيضاً في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب. وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي أحياناً آثاراً ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب.
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما.


--------------------------------------------------------------------------------

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير. وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعاً مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحياناً عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن إتباع الظن وما تهوى النفس.
فصل: وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء، فقال: " إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير " إلى قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً " وقال في أهل الفيء: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله.
وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق.
وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه، وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل له ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبع نفسك " . ومثل قوله: " من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ما أعطي أحد عطاء خيراً أوسع من الصبر " . ومثل قوله: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشاً أو خموشاً أو كدوشاً في وجهه " . وقوله: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه " . إلى غير ذلك



hgi[v hg[ldg ,hgwtp ,hgwfv



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1WZX59D
via IFTTT

فصل * تحريم كتمان العلم

تحريم كتمان العلم





فصل.
فلما ألحوا في طلب الرد لهذا الضلال المبين ذاكرين أن في الإعراض عن ذلك خذلانا للمؤمنين وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد هذا البهتان فكتبت ما يسره الله من البيان وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم والإيمان وقياما بالقسط وشهادة

ص -16- لله كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} واللي هو تغيير الشهادة والإعراض كتمانها والله تعالى قد أمر بالصدق والبيان ونهى عن الكذب والكتمان.
فيما يحتاج إلى معرفته وإظهاره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: " البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما".
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}



ص -17- ومن أعظم الشهادات ما جعل الله آمة محمد شهداء عليه حيث قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.
وقال تعالى: "{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} والمعنى عند الجمهور أن الله سماهم المسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} لا سيما الكتمان إذا لعن آخر هذه الأمة أولها كما في الأثر إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد



ص -18- وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقا وعلما وعملا وتبليغا فالطعن فيهم طعن في الدين موجب للإعراض عما بعث الله به النبين.
وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله ولهذا كانوا يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة فظهر في الملاحدة حقيقة هذه البدع المضلة لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين لنوع من الشبهة والجهالة المخلوطة بهوى فقبل معه الضلالة وهذا أصل كل باطل.
قال الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} إلى قوله {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} فنزه الله رسوله عن الضلال والغي والضلال عدم العلم والغي اتباع الهوى



ص -19- كما قال تعالى: {وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} فالظلوم غاو والجهول ضال إلا من تاب الله عليه كما قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.
ولهذا أمرنا الله أن أن نقول في صلاتنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فالضال الذي لم يعرف الحق كالنصارى والمغضوب عليه الغاوي الذي يعرف الحق ويعمل بخلافة كاليهود والصراط المستقيم يتضمن معرفة الحق والعمل به كما في الدعاء المأثور اللهم أرني الحق حقا ووفقني لاتباعه وأرني الباطل باطلا ووفقني لاجتنابه ولا تجعله مشتبها علي فأتبع الهوى وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" فمن خرج



ص -20- عن الصراط المستقيم كان متبعا لظنه وما تهواه نفسه ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ففيهم جهل وظلم لا سيما الرافضة فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلا وظلما يعادون خيار أولياء الله تعالى من بعد النبيين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين فتجدهم أو كثيرا منهم إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار واختلف الناس فيما جاءت به الأنبياء فمنهم من آمن ومنهم من كفر سواء كان الاختلاف بقول أو عمل كالحروب التي بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن كما قد جربه الناس منهم غير مرة في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم على أهل الإسلام بخراسان والعراق والجزيرة والشام وغير



ص -21- ذلك وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام ومصر وغير ذلك في وقائع متعددة من أعظمها الحوادث التي كانت في الإسلام في المائة الرابعة والسابعة فإنه لما قدم كفار الترك إلى بلاد الإسلام وقتل من المسلمين ما لا يحصى عدده إلا رب الأنام كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين ومعاونة للكافرين وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير حتى جعلهم الناس لهم كالحمير



twg * jpvdl ;jlhk hgugl



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1WZXlW4
via IFTTT

الأربعاء، 1 يونيو 2016

مبارك يستخدم عدة عضويات لدخول المنتدى !!

مبارك ... يبدوا أنه يستخدم عضوية [url=http://ift.tt/1UgeRiM] مبارك .[/url] و [url=http://ift.tt/1XR3mU7] مبارك[/url] لدخول المنتدى من نفس الكمبيوتر والله أعلم !!


lfhv; dsjo]l u]m uq,dhj g]o,g hglkj]n !!



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1XR3t20
via IFTTT

الرد على ادرس التاسع

السلام عليكم شيخنا الغالي
اليوم هو ثاني يوم في الدرس التاسع
هناك ملاحظة في كون الروحانية بدأت تستقر في جسمي و هذا توفيق من الله جل جلاله.
أسأل الله أن يثبتني في هذا الطريق و معكم خاصة.
والسلام عليكم.



hgv] ugn h]vs hgjhsu



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1WZn8hc
via IFTTT

هديه من القلب لكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف حالكم ان شاء الله انكم طيبين ب احسن احوالكم اتمنى لكم دوم الصحه والعافيه وتمام الاحوال انا عضو جديد بالمنتدى دخلت المنتدى وانا تعبان وياس من كل شيء صراحه وكنت لما اروح عند اي شيخ يقولي ادفع المبلغ الفلاني..! والمبلغ ما اقدر عليه وانا على حالي دخلت منتداكم قريت مواضيعكم شفت الاخلاص والصدق والامانه فيكم شفت فيكم شي ماشفته بناس ثانيين واللي صدمني واذهل عقلي قوتكم في عملكم ومحبتكم لبعض وصدقكم مع بعض واول شي صدقكم مع الله الله يسعدكم مثل ما اسعدتوني كلمت شيخي داوود وقرر انه يوقف معي وقفت اخ ل اخوه وما انساه وبكل سجده ما انساه ولا انسا كل شيوخ المنتدى الموجودين وعلى راسهم الطيب احمد بن ادريس وباقي الشيوخ الفاضلين انا قررت لما تكفل الشيخ داوود بعلاجي فقد احرجني والله العظيم وقلت انا ماراح اضل واقف اليدين واتفرج لازم اسوي شي للمنتدى لانكم ساعدتوني ف انا شفت ان عندكم حساب بتويتر وحساب بالفيس وحساب باليوتيوب وشفت ان ماعندكم حساب بالانستغرام اشهر حساب ف قررت اساعدكم واساعد كل محتاج واكون لي اجر اني اجيب لكم حساب مايتجاوز4 الاف متابع بالاستغرام ومن هناك تقدرون تنشرون المنتتدى وتساهمون بعلاج اكثر من شخص وراح اجيب حساب انستغرام خلال اسبوع واهديه لكم واسلمه للشيخ الطيب احمد


i]di lk hgrgf g;l



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1UusIVs
via IFTTT

العربي فرحان البلبيسي اول ماكتب القلم



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1Vw7RDo
via IFTTT

المنشد العربى فرحان البلبيسى



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1Vw7skp
via IFTTT

كتاب الرحمة الكبرى قصائد في حب النبي



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1Vw7Z5K
via IFTTT

مخطوط علم الحرف والاسماء والآيات والاسرار الخفية



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1Vw7IQz
via IFTTT

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والمنكر

الفتاه تظن انها لن تتزوج.
المرأه تظن انها لن تنجب.
العحوز يظن انه سيواجه الأمراض.
الشاب يظن انه سيواجه الفقر والبطاله.
الطالب يظن انه لن ينجح.
كل هذه الظنون وغيرها تأتيكم من الشيطان.
الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والمنكر.
والله يعدكم مغفرة منه وفضلا.
فلنثق بالله ونحسن الظن به.
اللهم ارزقنا حسن الظن بك والتوكل عليك.



hgad'hk du];l hgtrv ,dHlv;l fhgtpahx ,hglk;v



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1t100Tr
via IFTTT

الثلاثاء، 31 مايو 2016

الإستـدلال بالحكــــمة

- فصل الاستدلال بالحكمة
والاستدلال بالحكمة1: أن يعرف أولاً حكمته2، ثمّ يعرف أنّ من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسألة الحكمة: من أعظم المسائل التي خاض فيها المبتدعة في تعليل أفعال الله وأحكامه وصفاته . وقد ذكر الشيخ رحمه الله أبياته المعروفة لمن سأله عن القدر، يُشير فيها إلى أنّها أصل حجة أهل الضلال في الخوض في هذه المسائل . يقول:

وأصلُ ضلالِ الخلقِ في كلِّ فرقة هُو الخوضُ في فعل الإله بعلّةِ

فإنّهمو لم يفهموا حكمة له فصاروا على نوع من الجاهلية

فإنّ جميع الكون أوجب فعله مشيئة رب الخلق باري الخليقة

مجموع الفتاوى 8246 .
2 الحكمة من صفات الله الذاتية؛ مثلها مثل الإرادة والمشيئة والكلام، فيُقال في الإرادة: إنّ الله سبحانه وتعالى لم يزل مريداً بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يُريده في وقته. وهو سبحانه يقدّر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدّرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله. فالأول عزم، والثاني قصد.
وكذلك الحكمة: صفة ذاتية، لم يزل الله حكيماً، فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع، كانت الحكمة كذلك، وإن قدّر أنه قام به كلام، أو فعل متعلق بمشيئته، وأنه لم يزل كذلك، كانت الحكمة كذلك، فيكون النوع قديماً، وإن كانت آحاده حادثة .
وقد أجمع المسلمون على أن الله موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك:
فقال الأشاعرة والجهمية: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده . ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة . وهم قد أطلقوا ألفاظها، ولكنهم لا يعنون بها معناها، بل يُطلقونها لأجل مجيئها في القرآن .
وهم يثبتون أنه مريد، وينكرون أن تكون له حكمة يريدها، وأنه لم يخلق شيئاً لشيء، وأنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره والحكم المقصودة بذلك .
وقال أهل السنة: بل هو حكيم في خلقه وأمره . والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك، لكان كلّ مريد حكيماً . ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة، بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة .
والله سبحانه حكيم رحيم، وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا بحكمة، كما قال في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} . والله سبحانه له في كلّ ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها، وهو سبحانه أحسن كلّ شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات، فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية، فهو من الله حسن جميل، وهو سبحانه محمود عليه، وله الحمد عل كل حال، وإن كان شراً بالنسبة إلى بعض الأشخاص . فهو تعالى لم يزل عليماً، فعالاً لما يريد، وأفعاله تعالى وإبداعه لمبتدعاته تابعة لحكمته، التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، فلم يخلق شيئاً عبثاً . فالحكمة فعله بعض الأشياء دون بعض، لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مراداً للحكيم .
فالله سبحانه وتعالى يفعل لحكمة يحبها ويحصل بها محبوبه، فإنه لا يزال مراده الذي يحبه يحصل بفعله، وهو غني عن كل ما سواه، ورحمته لعبده، وإحسانه إليهم هو مما يُحبّه، وهو سبحانه إذا أمر العباد ونهاهم: أمرهم بما يحبه ويرضاه لهم، وهو يحبهم ويرضى عنهم إذا فعلوه؛ قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر 7] .
لكن فرق بين ما يريد هو أن يخلقه لما يحصل من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه، ولا بُدّ من وجوده، فإنّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبين ما يُريد من العباد أن يفعلوه، ويحبه إذا فعلوه، ويأمرهم به من غير مشيئة منه أن يخلقه؛ فإنّ المشيئة متعلقة بفعله، والأمر متعلق بفعل عبده المأمور، فالإرادة منه تارة تكون بمعنى المشيئة، وتارة تكون بمعنى المحبة . فهو سبحانه محمود على كل حال، له الملك وله الحمد في الدنيا والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون .
انظر المصادر الآتية: مجموع الفتاوى 16130، 297، 303،، 1795، 99 . ومجموعة الرسائل والمسائل 5242 . ومنهاج السنة النبوية 144،، 3168-177، 207-209، 45. وبيان تلبيس الجهمية 1215. وكتاب الصفدية 1147. وشرح الأصفهانية 1365-368. ودرء تعارض العقل والنقل 7476-477 .



ص -905- حكمته أنّه لا يُسوّي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره، ويعزّه، [ويجعل]1 [له]2 العاقبة، ويجعل له لسان صدقٍ في العالمين . والكاذب عليه: يُبيّن كذبه، ويخذله، ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذمّ واللعنة في العالمين، كما قد وقع .
فهذا هو الواقع، لكن المقصود أن نبيّن أنّ ما وقع منه، فهو واجب الوقوع في حكمته، لا يجوز أن يقع منه ضدّ ذلك . فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ما يقع، ويمتنع أن يقع منه ضده، وذلك ببيان أنّه حكيم، وأنّ حكمته توجب أن يُبيّن صدق الأنبياء وينصرهم، ويُبيّن كذب الكاذبين ويذلهم .
وكذلك يفعل باتباع النبيين، وبأعدائهم؛ كما أخبر بذلك في كتابه3، وبيّن أنّ هذا حقّ عليه، يجب أن يفعله، ويمتنع أن يفعل ضدّه؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالبَيِّنَات فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ}4، وكما قال: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
3 قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر، الآية 51]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات، الآيات 171-173]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل، الآية 116] .
4 سورة الروم، الآية 47 .



ص -906- حكمته أنّه لا يُسوّي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره، ويعزّه، [ويجعل]1 [له]2 العاقبة، ويجعل له لسان صدقٍ في العالمين . والكاذب عليه: يُبيّن كذبه، ويخذله، ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذمّ واللعنة في العالمين، كما قد وقع .
فهذا هو الواقع، لكن المقصود أن نبيّن أنّ ما وقع منه، فهو واجب الوقوع في حكمته، لا يجوز أن يقع منه ضدّ ذلك . فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ما يقع، ويمتنع أن يقع منه ضده، وذلك ببيان أنّه حكيم، وأنّ حكمته توجب أن يُبيّن صدق الأنبياء وينصرهم، ويُبيّن كذب الكاذبين ويذلهم .
وكذلك يفعل باتباع النبيين، وبأعدائهم؛ كما أخبر بذلك في كتابه3، وبيّن أنّ هذا حقّ عليه، يجب أن يفعله، ويمتنع أن يفعل ضدّه؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالبَيِّنَات فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ}4، وكما قال: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
3 قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر، الآية 51]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات، الآيات 171-173]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل، الآية 116] .
4 سورة الروم، الآية 47 .



ص -907- وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ [قَوِيّ]1 عَزِيزٌ}2 . وقوله: {لأغلبنّ}: قَسَمٌ أقسم الله عليه، فهو جواب قسم، تقديره: والله لأغلبنّ أنا ورسلي.
وهذا يتضمن إخباره بوقوع ذلك، وأنّه كتب على نفسه ذلك، وأمر به نفسه، وأوجبه على نفسه؛ فإنّ صيغة القسم يتضمّن التزام ما [حلف]3 عليه؛ إمّا [حضّاً]4 عليه، وأمراً به؛ وإمّا منعاً منه، ونهياً عنه.
الوفاء باليمين وكفارته
ولهذا كان في شرع من قبلنا يجب الوفاء بذلك، ولا كفارة فيه5 . وكذلك كان في أول الإسلام .
ولهذا كان أبو بكر لا يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين، كما ذكرت ذلك عائشة6 .
ولهذا أُمِر أيوب أن يأخذ بيده ضغثاً، فيضرب به، ولا يحنث7؛ فإنّ ذلك صار واجباً باليمين كوجوب المنذور الواجب بالنذر، يُحتذى به حذو الواجب بالشرع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): لقويّ .
2 سورة المجادلة، الآية 21 .
3 في ((خ)) : خلق . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 في ((خ)): خصاً . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
5 قال ابن العربي: "قوله تعالى: {فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} يدلّ على أحد وجهين؛ إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر والحنث . والثاني: أن يكون صدر منه نذر لا يمين" . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15140 .
6 إذ قالت رضي الله عنها: إنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يكن يحنث في يمين قطّ، حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: "لا أحلف على يمين فرأيتُ غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني".
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...} .
7 قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [سورة ص، الآية 44] .



ص -908- والضرب بالضغث يجوز في [الحدود]1 إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق؛ كما جاء في الحديث2 .
ولو كان في شرعهم3 كفارة، لأغنت عن الضرب مطلقاً .
لكن الإنسان قد يلتزم ما لا يعلم عاقبته، ثم يندم عليه، والرب تعالى عالمٌ بعواقب الأمور، فلا يحلف على أمرٍ ليفعلنّه، إلا وهو يعلم عاقبته .
واليمين موجبة4، ولهذا قال تعالى: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ}5. وكَتَبَ: مثل كَتَبَ، في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}6؛ فهي كتابة تتضمن خبراً وإيجاباً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((ط)): الحدوث .
2 وهو ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنّه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم . فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني وقعت على جارية دخلت عليّ . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضرّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة" . أخرجه أبو داود في سننه 4615-616، كتاب الحدود، باب إقامة الحدّ على المريض . وأحمد في المسند 5222. وابن ماجه في سننه 2859، كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحدّ . وقال محمد فؤاد عبدالباقي في تعليقه على ابن ماجه: "في الزوائد: مدار الإسناد على محمد بن إسحاق وهو مدلّس . وقد رواه بالعنعنة" . وقال ابن حجر رحمه الله: "إسناد هذا الحديث حسن، ولكنه اختلف في وصله وإرساله". سبل السلام 424.
3 أي في شرع بني إسرائيل .
4 أي واقعة ومتحققة .
5 سورة المجادلة، الآية 21 .
6 سورة الأنعام، الآية 54 .



ص -909- ومنه قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا}1 .
وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحَرَّمَاً فلا تَظَالَمُوا"2 .
وقد بسط هذا الأصل في مواضع؛ مثل الكلام في مسألة القادر المختار3، ومسألة العدل والظلم4، وغير ذلك5 .
فإنّ كثيراً من المتكلمين يقول: إن القادر المختار لا يفعل إلا بوصف [الجواز6]7، فيفعل الفعل في حال تردّده بين أن يفعل، وأن لا يفعل.
استطالة الفلاسفة على المتكلمين
ومنهم من يقول: يفعله مع رجحان أن يفعل رجحاناً لا ينتهي إلى حدّ الوجوب8 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة هود، الآية 6 .
2 سبق تخريج جزء منه في ص 537 .
3 أما هذه المسألة: فقد تطرق لها الشيخ رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية 1203-206، وفي رسالة أقوم ما قيل، ضمن مجموعة الرسائل 4-5329، وفي شرح الأصفهانية 2351-355، وفي درء التعارض 1326،، 9166 .
4 للشيخ رحمه الله رسالة في معنى كون الربّ عادلاً وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل، المجموعة الأولى ص 119-142. وانظر ص 566 من هذا الكتاب.
5 سبق أن ذكرنا كثيراً من الإحالات على كتب شيخ الإسلام في هذه المسألة، انظر ص 504 من هذا الكتاب .
6 انظر: درء تعارض العقل والنقل 1326،، 4290 إلى آخر الجزء،، 9166، 192-193 . وشرح الأصفهانية 1351 .
7 في ((م))، و ((ط)): الجوار .
8 انظر: درء تعارض العقل والنقل 363،، 9170-171، 193 . وشرح الأصفهانية 1352 .



ص -910- وهو قول محمد بن [الهيصم]1 الكرامي2، ومحمود الخوارزمي المعتزلي3 .
وبهذا استطال عليهم الفلاسفة4، فقالوا: الربّ موجب؛ لأنّ الممكن لا يقع حتى يحصل المؤثر التامّ الموجب له5 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ))، و ((م))، و ((ط)): الهيضم . وهو خلاف الصواب .
2 سبقت ترجمته .
3 هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو. من أئمة المعتزلة، ومن الدعاة إلى مذهبهم . ومن علماء اللغة والتفسير . وكان مجاهراً شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره . ولد سنة 467 ?، وتوفي سنة 538 ? في الجرجانية من قرى خوارزم .
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 20151-156 . وشذرات الذهب لابن العماد 4118-121 . والأعلام للزركلي 7178 .
4 انظر درء تعارض العقل والنقل 9150 .
5 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية، وهم يلزمهم من التناقض ما هو أعظم من ذلك؛ فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين، فإنهم يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإنّ من فعل المفعول لغاية يُريدها، كان مريداً للمفعول بطريق الأولى والأحرى . فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إرادة، كان هذا في غاية التناقض ............ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض، دالّ على مشيئة فاعله، وعلى حكمته أيضاً، ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه ..". درء تعارض العقل والنقل 9111 . وانظر: المصدر نفسه 362، 416-418 . وبيان تلبيس الجهمية 1171، 214-215 .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً: "وينبغي أن يعلم أنّ الذي سلّط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان؛ أحدهما: ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تُخالف الكتاب والسنة، ويُخالفون بها المعقولات الصحيحة التي ينسرّ بها خصومهم أو غيرهم . والثاني: مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه؛ فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه السلف وأئمتهم، كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها" . بيان تلبيس الجهمية 1223 .



ص -911- والتحقيق: أنّ الرب يخلق بمشيئته وقدرته، وهو موجب لكلّ ما يخلقه بمشيئته وقدرته، ليس موجباً بمجرّد الذات، ولا موجباً بمعنى أنّ موجبه يقارنه؛ فإنّ هذا ممتنع . فهذان معنيان باطلان . وهو قادرٌ يفعل بمشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه، وما لم يشأ امتنع كونه1 .
ولهذا قال كثيرٌ من النظار: إنّ الإرادة موجبة للمراد2. وعلى هذا، فقولنا: يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون: إنما هو جواز الشيء، بمعنى الشك في أيهما هو الواقع، وإلا ففي نفس الأمر أحدهما هو الواقع، ليس في نفس الأمر [ظنياً]3 متردّداً بين الوقوع وعدم الوقوع .
الإمكان الذهني
والإمكان الذهني: قد يُراد به عدم العلم بالامتناع، وقد يُراد به الشك في الواقع . وكلا النوعين عدم علم .
الإمكان الخارجي
والإمكان الخارجي: يُراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع4؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر شرح الأصفهانية 1128، 351-353 .
2 انظر: درء تعارض العقل والنقل 9193 .
3 في ((خ)) كلمة غير واضحة، وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 وقال الشيخ رحمه الله في الفرق بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي أيضاً: "والفرق بينهما أنّ الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، فليس في ذهنه ما يمنع ذلك . والإمكان الخارجي معناه: العلم بالإمكان في الخارج . والإنسان يُقدّر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها، ولا يعلم أنها ممتنعة، ومع هذا فهي ممتنعة في الخارج لأمور أُخر" . درء تعارض العقل والنقل 3358-359 . وانظر: التدمرية ص 263 . وانظر كلاماً مفصّلاً للمؤلف أيضاً عن الفرق بينهما في الجواب الصحيح 6404-405 . وقد سبق أيضاً التفريق بينهما من كلام المؤلف في هذا الكتاب، في ص 227 .



ص -912- كولادة النساء، ونبات الأرض .
وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل .
وفي نفس الأمر ما ثَمّ إلا ما يقع، أو لا يقع .
والواقع لا بدّ من وقوعه، ووقوعه واجب لازم .
وما لا يقع فوقوعه ممتنع، لكن واجب بغيره، وممتنع لغيره:
وقوع ما قدره الله واجب من جهات
وهو واجب من جهات: من جهة علم الرب من وجهين، ومن جهة إرادته من وجهين، ومن جهة كلامه من وجهين، [ومن جهة كتابته من وجهين]1، ومن جهة رحمته، ومن جهة عدله .
أمّا علمه: فما علم أنه سيكون، فلا بد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، فلا يكون . وهذا مما يعترف به جميع الطوائف، إلا من ينكر العلم السابق؛ كغلاة القدرية2 الذين تبرأ منهم الصحابة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عنهم: "وغلاة القدرية يُنكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف: أي مستأنف . وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة . وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم، وأنكروا مقالتهم، كما قال عبد الله بن عمر لما أُخبر عنهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برءاء مني . وكذلك كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال فيهم الأئمة؛ كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم: إن المنكرين لعمل الله المتقدم يكفرون .
ثم كثر خوض الناس في القدر، فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق، لكن ينكرون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره؛ فما شاءه فقد أمر به، وما لم يشأه لم يأمر به . فلزمهم أن يقولوا: إنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء . وأنكروا أن يكون الله تعالى خالقاً لأفعال العباد، أو قادراً عليها، أو أن يختصّ بعض عباده من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له .." . مجموع الفتاوى 8450-451 . وانظر المصدر نفسه 7384-385، 8228 . وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 665 .



ص -913- ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة: فيدعوه علمه إلى فعله، أو ما فيه من الفساد، فيدعوه إلى تركه . وهذا يعرفه من يقرّ بأنّ العلم داع، ومن يقرّ بالحكمة .
ومن جهة إرادته: فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن .
ومن جهة حكمته، وهي الغاية المرادة لنفسها، التي يفعل لأجلها . فإذا كان مريدا للغاية المطلوبة، لزم أن يُريد ما يُوجب حصولها .
ومن جهة كلامه: من وجهين؛ من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه؛ ومن جهة أنه أوجبه على نفسه، وأقسم ليفعلنّه . وهذا من جهة إيجابه على نفسه، والتزامه أن يفعله .
ومن جهة كتابته إياه في اللوح: وهو يكتب ما علم أن سيكون . وقد يكتب إيجابه والتزامه؛ كما قال: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}1، وقال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}2 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المجادلة، الآية 21 .
2 سورة الأنعام، الآية 54 .



ص -914- فهذه عشرة أوجه1 تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون، وأنّ ذلك واجبٌ [حتمٌ]2 لا بُدّ منه، فما في نفس الأمر جوازٌ يستوي فيه الطرفان؛ الوجود، والعدم، وإنّما هذا في ذهن الانسان، لعدم علمه بما هو الواقع . ثمّ من علم بعض تلك الأسباب، علم الواقع؛ فتارة يعلم لأنّه أخبر بعلمه؛ وهو ما أخبرت به الأنبياء بوقوعه؛ كالقيامة [والجزاء]3؛ وتارة يعلم من جهة المشيئة؛ لأنّه جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدّل؛ وتارة يعلم من جهة حكمته، كما قد بسط في غير هذا الموضع4 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 والخلاصة: أنّ الجزم بوقوع ما قدّره الله سبحانه وتعالى واجب من جهات عشر:
من جهة علم الله سبحانه وتعالى من وجهين؛ الأول: ما علمه الله أنه سيكون، فلابُدّ أن يكون. والثاني: ما علم الله سبحانه وتعالى أنه لا يكون، فلا يكون.
وكذلك من جهة إرادته سبحانه من وجهين؛ الأول : أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والثاني: من جهة حكمته سبحانه، وهي الغاية المرادة لنفسها التي يفعل لأجلها .
وكذلك من جهة كلامه، من وجهين؛ الأول: من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه . والثاني: من جهة أنه أوجبه على نفسه وأقسم ليفعلنّه .
وكذلك من جهة كتابته إياه في اللوح المحفوظ من وجهين؛ الأول: كتابته ما علم أنه سيكون . والثاني: كتابته ما أوجبه على نفسه .
وكذلك من جهة رحمته .
وكذلك من جهة عدله .
فهذه عشرة أوجه .
2 في ((ط)): حتى .
3 في ((ط)): الجزاء .
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل 362-69،، 9192-196 . وبيان تلبيس الجهمية 1197-213 .



ص -915- الحكمة والعدل والرحمة تعلم بالعقل
والحكمة، والعدل، والرحمة، والعادة تُعلم بالعقل، كما قد عرف من حكمة الرب، وعدله، وسّنته .
ويُستدلّ بذلك على العلم، والخبر، والكتاب؛ كما أن العلم، والخبر، والكتاب [يُعلم]1 بأخبار الأنبياء، ويُستدلّ بذلك على العدل، والحكمة، والرحمة .
الجهمية ينكرون الحكمة والعدل والرحمة
والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوتٍ، ولا انتفاءٍ، إلا من جهة الخبر، أو العادة؛ إذ كانوا لا يثبتون الحكمة، والعدل، والرحمة في الحقيقة، كما قد بسط في غير موضع2 .
وحُكِيَ عن الجهم أنّه كان يخرج، فينظر الجَذْمَى3، ثُمّ يقول: أرحم الراحمين يفعل هذا4؟. يقول إنّه يفعل لمحض المشيئة، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا .
وهذا من جهله لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة، والرحمة، والمصلحة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): تعلم .
2 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "والجهم بن صفوان ومن اتبعه ينكرون حكمته ورحمته، ويقولون: ليس في أفعاله وأوامره لام كي، لا يفعل شيئاً لشيء، ولا يأمر بشيء لشيء . وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب، وإن خالفوه في بعض ذلك" . مجموع الفتاوى 8466-467 . وانظر: المصدر نفسه 16130-133، 297-300 . ومنهاج السنة 1142-145 . وبيان تلبيس الجهمية 1214-217 . وشرح الأصفهانية 2356-357 .
3 الجُذام من الداء: مرض معروف سُمي بذلك لتجذُّم الأصابع وتقطُّعها . لسان العرب 1287 .
4 انظر شفاء العليل لابن القيم رحمه الله ص 202 .



ص -916- والمجبرة المثبتة للقدر متّبعون لجهم1، والقدرية النفاة مناقضون لهم2، كما قد بُسط الكلام على ذلك في غير موضع3 .
العقلاء يستدلون بصفات الرب على ما يفعله
وما زال العقلاء يستدلّون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله؛ [كقول]4 خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لها: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت: "كلاّ، والله لا يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُقري الضيف، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"5.
فاستدلّت بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال على أنّ الله لا يخزيه .
ومنه: قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}6؛ فإنّ الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه، ويطلبه، وهو يريد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهم الأشاعرة .
2 وهم المعتزلة .
3 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والجهمي الجبري لا يثبت عدلاً ولا حكمة، ولا توحيد إلهيته، بل توحيد ربوبيته . والمعتزلي لا يثبت توحيد إلهيته، ولا عدلاً، ولا عزة، ولا حكمة، وإن قال إنه يثبت حكمة ما معناها يعود إلى غيره . فتلك لا تكون حكمة . فمن فعل لا لأمر يرجع إليه، بل لغيره، فهذا عند العقلاء قاطبة ليس بحكيم .." . مجموع الفتاوى 8211 . وانظر: المصدر نفسه 835-57، 89-93، 377-378، 1799-100 .
4 في ((ط)): كقوله .
5 سبق تخريجه ص 233 .
وانظر تعليق المؤلف رحمه الله على هذا الحديث في : شرح الأصفهانية 2479-486 . والجواب الصحيح 6511-512 . وكتاب الصفدية 1225 .
6 سورة الشعراء، الآيتان 221-222 .



ص -917- الكذب والإثم، فينزل على من يكون كذلك . وبسط هذا له موضع آخر1 .
الكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة
والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما [تنفيه2]3، [فتقول]4: هو سبحانه وتعالى حكيمٌ، يضع كلّ شيءٍ في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس [الصادق]5 والكاذب، والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يُفرّق بين هذه الأنواع بما يناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى: {أَمْ نَجْعَل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعَل المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ}6، وقال: {أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ}7، وهذا استفهام انكار على من ظن ذلك، وهو يتضمّن تقرير المخاطبين، واعترافهم بأنّ هذا لا يجوز عليه، وأن ذلك بيِّنٌ معروف، يجب اعترافهم به، وإقرارهم به، كما يقال لمن ادّعى أمراً ممتنعاً؛ مثل نعم كثيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: الجواب الصحيح 6297-302 . وشرح الأصفهانية 2474-477 . وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 190-192 .
2 قال شيخ الإسلام رحمه الله وهو يناقش من ينفي حكمة الله، ويُجوّز عليه فعل كلّ شيء: "فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء، وإما أن يكون متنزهاً عن بعض الأفعال. فإن قيل: إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح، لم يؤمن منه تصديق المتنبئين الكذابين بالمعجزات، ولم يؤمن أيضاً الخبر المخالف لمخبره، فإن الكذب وتصديق الكاذب قبيح، وتجويز ذلك يُبطل النبوات وأخبار المعاد، وهذان تبطل بهما الملل" . بيان تلبيس الجهمية 1162 .
3 في ((خ)) : ينفيه . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : يقول . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
5 في ((ط)) : الصدق .
6 سورة ص، الآية 28 .
7 سورة القلم، الآية 35 .



ص -918- في موضع صغير، فيُقال له: أههنا كانت هذه النعم؛ أي هذا ممتنع [فاعترف]1 بالحق . وإذا ادّعى على من هو معروف بالصدق والأمانة أنّه نقب داره، وأخذ ماله، قيل له: أهذا فعل هذا ؟! .
ومنه: قوله: {يَا عِيْسَى بنَ مريم أَأَنْتَ قُلتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ}2، وقوله تعالى: {وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً ثُمَّ يَقُولُ للمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}3 . ونظائره كثيرة .
ظن السوء بالله تعالى
وكذلك قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [الصالحاتِ]4 سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}5؛ فإنّ هذا استفهام إنكار على من حسب أنه يسوي بين هؤلاء وهؤلاء؛ فبَيَّن أنّ هذا الحساب باطل، وأنَّ التسوية ممتنعة في حقّه، لا يجوز أن يظنّ به، بل من ظنّ ذلك، فقد ظنّ بربّه ظنّ السوء، وذلك ظنّ أهل الجاهلية الذين يظنون بالله ظنّ السوء، فمن جوّز ذلك على الله، فقد ظنّ بربه ظنّ السوء .
وقوله تعالى فيما جرى يوم أحد: {وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونُ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّة}6؛ فسَّره ابن عباس وغيره: بأنّهم ظنّوا أن الله لم يقدر ما جرى، وأنّه لا ينصر رسوله7 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((ط)) " فاعتبرف .
2 سورة المائدة، الآية 119 .
3 سورة سبأ، الآية 40 .
4 في ((م))، و ((ط)): السيئات .
5 سورة الجاثية، الآية 20 .
6 سورة آل عمران، الآية 154 .
7 انظر: تفسير الطبري 4141-143 . وتفسير ابن كثير 1418 . وفتح القدير للشوكاني 1391-392 . وتفسير السعدي 1439-440 .



ص -919- فكما أنّ القدر يجب الإيمان به، ويُعلم أن كلّ ما كان، قد سبق به علم الرب، فكذلك يُعلم أنّه لا بُدّ أن ينصر رسله والذين آمنوا . وكما أنه لا يجوز أن يقع خلاف المقدّر، فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا .
ومثله: قوله [تعالى]1 فيما أنزله عام الحديبية، لمّا ظنّ ظانون أن الرسول وأتباعه لا يُنصرون، فقال تعالى: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيراً}2 . وهذا يدلّ على أن هذا ظن سوء بالله، لا يجوز أن يظن به أنّه يفعل ذلك .
ومن ينفي الحكمة3 يقول: يجوز عليه فعل كل شيء، وليس عنده ظنّ سوء بالله .
جوابان لمن يظن بالله ظن السوء
وإن قيل: لمّا أخبر أنه ينصره، كان ضدّ ذلك ظن سوء؛ لأنّ خبره لا يقع بخلاف مخبره ؟ قيل: عن هذا جوابان:
[أحدهما]4: أنّ هؤلاء5 يلزمهم تجويز إخلاف الوعد عليه؛ لأنّ هذا من باب الأفعال المقدورة، وهم يجوّزون كلّ مقدور، وإذا قيل: إخلاف الوعد قبيح، فهم ليس عندهم شيء قبيحٌ يُنزّهون الرب عنه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين .
2 سورة الفتح، الآية 6 .
3 المقصود بهم الأشاعرة .
وانظر: بيان تلبيس الجهمية 1162 . وشرح الأصفهانية 2616-624 . وانظر أيضاً: الإرشاد للجويني ص 319، 322 . والمواقف للإيجي ص 323، 328، 330، 331 .
4 في ((خ)): إحداهما . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
5 وهم من ينفي الحكمة؛ من الأشاعرة، والجبرية، والفلاسفة .



ص -920- الثاني: أنه إذا علم أنّه يفعله ولو بالعلم الضروري، فإنّما ذلك لأنه واقع . ولو قُدِّر أنّ رجلاً ظنّ أنّ الله لا يفعل ما سيفعله ممّا ليس فيه ذم؛ مثل أن يظنّ أنّه يموت بعد شهر، لم يقل إنّ هذا ظنّ سوء، وإنّما يكون ظنّ سوء، إذا كان المظنون عيباً قبيحاً ، لا يجوز أن يضاف إلى المظنون به، ومنه قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَت الأَبْصَارُ وَبَلَغَت القُلُوبُ الحَنَاجِر وَ[تَظُنُّونَ]1 بِاللهِ [الظُّنُونَا]2}3؛ فهذا ذمّ لمن ظنّ بالله [الظنونا]4
ومن ذلك: قوله تعالى: {أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}5, وهذا يقتضي أن هذا ممتنع عليه. ومن حكم بجوازه، فقد حكم حكماً باطلاً جائراً ممتنعاً، كالَّذين جوّزوا أن تكون له بنات، وهم يكرهون أن تكون لهم بنات، فيجوز على الله ما هو قبيح عندهم؛ قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ [للهِ]6 البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}7.
وممّا يُبيِّن حكمته، أن تقول: أفعاله المحكمة المتقنة دلّت على علمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): يظنون .
2 في ((م))، و ((ط)) رسمت: الظنون .
3 سورة الأحزاب، الآية 10 .
4 في ((ط)): الظنون .
5 سورة القلم، الآية 35-36 .
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
7 سورة النحل، الآيات 57-59 .



ص -921- وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء؛ فإنّهم يُسلّمون أنّ الإحكام والإتقان يدلّ على علم الفاعل .
وهذا أمرٌ ضروريٌ عندهم، وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها .
معنى الإحكام والإتقان
والإحكام والإتقان إنّما هو أن يضع كلّ شيء في محلّه المناسب، لتحصل به الحكمة المقصودة منه؛ مثل الذي يُخيط قميصاً، فيجعل الطوق على قدر العنق، والكُمَّين على قدر اليدين؛ وكذلك الذي يبني الدار، يجعل الحيطان متماثلة ليعتدل السقف؛ والذي يصنع الابريق يُوسِّع ما يدخل منه الماء، ويُضيِّق ما يخرج منه .
وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع الطوائف .
الفلاسفة يثبتون العناية والحكمة الغائية
والفلاسفة من أعظم الناس إثباتاً لها، وهم يُثبتون العناية، والحكمة الغائيّة، وإن كان فيهم من قَصَّر في أمر الإرادة والعلم1 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الفلاسفة: "إنهم معترفون بما هو مشهود معلوم من ظهور الحكمة التي في العالم التي يسمونها (العناية) . والفلاسفة من أعلم الناس بهذا، وأكثر الناس كلاماً فيما يوجد في المخلوقات من المنافع والمقاصد والحكم الموافقة للإنسان وغيره، وما يوجد من هذه الحكمة في بدن الإنسان وغيره، سواء كانوا ناظرين في العلم الطبيعي وفروعه، أو علم الهيئة ونحوه من الرياضي، أو العلم الإلهي، وأجل القوم الإلهيون . وقد تقدم ما ذكر في اعترافهم بأن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد . ولا ريب أن الاعتراف بهذا ضروري؛ كالاعتراف بأن المحدَث لا بُدّ له من محدِث، والممكن لا بُدّ له من مرجّح. فكما أن هناك مقدمتين؛ إحداهما: أن هنا حوادث مشهودة، والحادث لا بد له من محدث. والأولى حسية، والثانية عقلية بديهية ضرورية . وكذلك أن هاهنا ممكنات، والممكن لا بُدّ له من مرجّح واجب، فكذلك هاهنا مقدّمتان؛ إحداهما: أن هنا حكماً أو منافع مطلوبة . والثانية: أنه لا بد لذلك من فاعل قاصد مريد. وهما مقدّمتان ضروريتان؛ الأولى حسية، والثانية عقلية؛ فإنّ الإحساس بالانتفاع كالإحساس بالحدوث، وإن كان في تفاصيل ذلك ما يعلم بالقياس أو الخبر . ثم هذه الحكم قد يعلم حدوثها، وقد يعلم إمكانها، كالأسباب" . بيان تلبيس الجهمية 1203-204 .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً عن الفلاسفة أنهم: "من أكثر الناس نظراً في حكم الموجودات، وقد اعترفوا بما تقدّم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس المراد أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق، فعلم أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلاً مختاراً، تناقضٌ منهم". بيان تلبيس الجهمية 1182 وانظر: درء تعارض العقل والنقل 9111 .



ص -922- المتكلمون يثبتون الحكمة في مخلوقات الله
وكذلك المتكلمون1: كُلُّهم متّفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا في الإرادة، وفعله لغاية، متنازعين؛ وذلك مثلما في خلق الإنسان . وأدنى ذلك أنّ العين، والفم، والأذن فيها مياه ورطوبة؛ فماء العين مالح، وماء الفم عذب، وماء الأذن مُرّ .
فإنّ العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب . وهذه أيضاً حكمة تمليح ماء البحر؛ فإن له سبباً وحكمةً؛ فسببه سبوخة أرضه وملوحتها؛ فهي توجب ملوحة مائه؛ وحكمتها أنّها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة؛ فإنّه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس بفساده، وإذا وقع أحياناً، قتل خلق كثير فإنّه يُفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير .
وماء الأذن مُرّ؛ ليمنع دخول الهوام إلى الأذن .
وماء الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أهل الجدل والمناظرة، والمقصود بهم: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية .



ص -923- فلو جعل الله ماء الفم مراً، لفسد الطعام على أكلته، ولو جعل ماء الأذن عذباً، لدخل الذباب في الدماغ .
ونظائر هذا كثيرة، فلا يجوز أن يفعل بخلاف [ذلك]1؛ مثل أن يجعل العينين في القدمين، ويجعل الوجه خشناً غليظاً، كالقدمين؛ فإنّه كان يُفسد مصلحة النظر والمشي .
بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن، في [مقدّمه]2 ليرى بها ما أمامه، فيدري أين يمشي .
وجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره .
والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء، فجعل لها أجفاناً تغطيها، و[أهداباً]3 .
إثبات صفة العلم والإرادة والحكمة بالعقل
[فتقول]4: هذا ومثله من مخلوقات الربّ، دلّ على أنه قد أحكم ما خلقه، وأتقنه، ووضع كل شيء بالموضع المناسب له5، وهذا يوجب العلم الضروري أنه عالم؛ فيميز بين هذا وبين هذا، حتى خص هذا بهذا، وهذا بهذا . وهو أيضاً يُوجب [العلم]6 الضروري بأنّه أراد تخصيص هذا بهذا، وهذا بهذا؛ فدلّ على علمه وإرادته. وهذا ممّا يُسلمونه، فتقول: [ودلّ]7 أيضاً على أنّه جعل هذا لهذا؛ فجعل ماء العين والبحر ملحاً للحكمة المذكورة، وجعل العين في أعلى البدن، وجعل لها أجفاناً للحكمة المذكورة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مابين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
2 في ((ط)): مقدمة .
3 في ((خ)) رسمت: أهذاباً . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 في ((خ)): فيقول . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
5 سبق أن ذكر الشيخ رحمه الله هذه الحكم. انظر ص 572-573 من هذا الكتاب.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
7 في ((ط)): ودم .



ص -924- وكذلك إذا أنزل المطر، وقت الحاجة إليه، عُلِم أنه أنزله ليحيي به الأرض .
وكذلك إذا دعاه الناس مضطرين ، فأنزل المطر، عُلِم أنه أنزل ليُحيي الأرض لإجابة دعائهم، فلا يتصوّر أن يعلم أنّه أراد هذا لهذا1، ولا يُتصوّر الإحكام والإتقان، إلا إذا فعل هذا للحكمة المطلوبة.
فكان ما عُلم من إحكامه وإتقانه، دليلاً على علمه، وعلى حكمته أيضاً، وأنه يفعل لحكمة .
تناقض الفلاسفة الذين يثبتون الأحكام
والذين استدلّوا بالإحكام على علمه، ولم يثبتوا الحكمة2، وأنه يفعل هذا لهذا، متناقضون عند عامّة العقلاء. وحذّاقُهم معترفون بتناقضهم؛ فإنّه لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت الحكمة، ولم يكن فعله لحكمة، انتفى الإحكام. وإذا انتفى الإحكام، انتفى دليل العلم.
وإذا كان الإحكام معلوماً بالضرورة، [ودلالته على العلم معلومة بالضرورة]3، عُلم أن حكمته ثابتة بالضرورة، وهو المطلوب .
مقتضيات صفة العلم لله
وأيضاً فإذا ثبت أنه عالم، فنفس العلم يوجب أنه لا يفعل قبيحاً، ولا يجوز أن يفعل القبيح، إلاّ من هو جاهل، كما قد بسط في غير هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [سورة الشورى، الآية 28]، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الروم، الآيات 48-50] .
2 المقصود بهم الفلاسفة الذين يُثبتون العناية والإحكام (الحكمة الغائية) . انظر: درء تعارض العقل والنقل 9111. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 1026.
3 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .



ص -925- الموضع1، [و]2 بُيِّن أنّ العالم يعلم ما الذي يصلح أن يفعل، وأنّ فِعلَ هذا، أولى من فعل هذا . وإذا كان مريداً للفعل، وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو الأصلح، امتنع أن يريد الوجه الآخر .
والإنسان لا يريد القبيح إلا [لنقص]3 علمه . أمّا أن يفعل بلا علم، بل لمجرد الشهوة، أو يظنّ خطأ؛ فيظن أن هذا الفعل يصلح، وهو لا يصلح، فإنّما يقع القبيح في فعله لفعله مع الجهل البسيط أو المركب4 .
والربّ منزه عن هذا وهذا، فيمتنع أن يفعل القبيح .
إثبات الإرادة يستلزم إثبات الحكمة
وأيضاً فإنه قد ثبت أنه مريد، وأنّ الإرادة تخصص المراد عن غيره، وهذا إنّما يكون إذا كان التخصيص لرجحان المراد؛ إمّا لكونه أحب إلى المريد وأفضل عنده. فأما إذا ساوى غيره من كل وجه امتنع ترجيح الإرادة له، فكان إثبات الإرادة مستلزماً إثبات الحكمة5، [وإلا]6 لم تكن الإرادة .
فقد تبين ثبوت حكمته من جهة علمه، ومن جهة نفس أفعاله المتقنة المحكمة، التي تدل على علمه بالاتفاق .
وهذه أصول عظيمة من تصوّرها تصوراً جيداً، انكشف له حقائق هذا الموضع الشريف7 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مجموع الفتاوى 16130-133 . وبيان تلبيس الجهمية 1178-184، 203-204 . ودرء تعارض العقل والنقل 363،، 9111 .
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
3 في ((خ)): لفعل . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 سبق التعريف بهما . انظر ص 763 من هذا الكتاب .
5 انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 506-507 .
6 في ((خ)) رسمت: والم .
7 وهو إثبات حكمة الله سبحانه وتعالى التي نفاها المتكلمون والفلاسفة، وخاضوا في أفعال الله وأحكامه وصفاته بالباطل .



ص -926- حكمة الله من لوازم ذاته
وإذا ثبت أنه حكيم، وأن حكمته لازمة لعلمه، ولازمة لإرادته، وهما لازمان لذاته، كانت حكمته من لوازم ذاته؛ فيمتنع أن يفعل إلا لحكمة وبحكمة، ويمتنع أن يفعل على خلاف الحكمة .
ومعلومٌ بصريح العقل أن العلم خير من الجهل، والصدق خير من الكذب، والعدل خير من الظلم، والإصلاح خير من [الإفساد]1 . ولهذا وجب [اتصافه تعالى بالرحمة، والعلم، والصدق]2، والعدل، والإصلاح، دون نقيض ذلك .
وهذا ثابت في خلقه وأمره؛ فكما أنه في خلقه عادلٌ حكيمٌ رحيمٌ، فكذلك هو في أمره وما شرعه من الدين، فإنه لا يكون إلا عدلاً، وحكمةً، ورحمةً، ليس هو كما تقول الجهمية المجبرة، ومن اتبعهم من أهل الكلام والرأي: إنّه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه، وإن ما أمر به لا يجب أن يفعل على حكمة، وينكرون تعليل الأحكام، أو يقولون إن علل الشرع أمارات محضة3. فهذا كله باطلٌ، كما قد بسط في مواضع4.
البراهين اليقينية على أن الله لا يفعل خلاف الحكمة والعدل ولا يسوي بين الصادق والكاذب
بل ما يأمر به مصلحة لا مفسدة، وحسن لا قبيح، وخير لا فساد، وحكمة وعدل ورحمة، والحمد لله رب العالمين؛ فإذا قُدّر رجلان ادعيا على الرب الرسالة، أو توليا على الناس، أو كانا من عرض الناس؛ أحدهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
2 في ((خ)): وجب اتصاف الرحمة بالعلم والصدق . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
3 انظر: الإنصاف للباقلاني ص 74-75. والمواقف للإيجي ص 314-315، 323. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص 108 .
4 انظر: شرح الأصفهانية 2618. ومجموع الفتاوى 8433-434، 466-468 ومنهاج السنة 388-90، 177. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 408-409.



ص -927- عالم صادق عادل مصلح، والآخر جاهل ظالم كاذب مفسد، ثم قُدِّر أنّ ذلك العالم العادل عوقب في الدنيا والآخرة، فأُذلّ في الدنيا، وقُهر، وأُهلك، وجُعل في الآخرة في جهنم، وذلك الظالم الكاذب الجاهل، أُكرم في الدنيا والآخرة، [و]1 جُعل في الدرجات العلى، كان معلوماً بالاضطرار أنّ هذا نقيض الحكمة والعدل، وهو أعظم سفهاً وظلماً من تعذيب ماء البحر وماء العين2؛ فإن هذا غايته موت شخص أو النوع، وهذا أقل فساداً من إهلاك خيار الخلق وتعذيبهم، وإكرام شرار الخلق وإهانتهم .
الأشاعرة يجوزون على الله عقلاً أن يسوي بين الصادق والكاذب .. وأن يعذب المؤمنين ولكن بالسمع لا بالعقل
وإذا كان هذا أعظم مناقضة للحكمة والعدل من غيره، وتبيَّن بالبراهين اليقينية أن الربّ لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل، عُلم بالاضطرار أن الرب سبحانه لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، فضلاً عن أن يفضّل الأشرار على الأخيار، وهو سبحانه أنكر التسوية؛ فقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ [مَا يَحْكُمُونَ]3}4، وقال تعالى:{أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ [تَحْكُمُونَ]5}6 .
وقد جعل7 من جوّز أن الله لا ينصر رسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة،
ويعذبهم في الآخرة في جهنم، وأن الفراعنة8 يكرمهم في الدنيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
2 أي يصير ماء البحر وماء العين عذبا صالحا للشرب .
3 في ((خ)): ما كانوا يعملون .
4 سورة الجاثية، الآية 21 .
5 في ((ط)): يحكمون .
6 سورة القلم، الآية 35-36 .
7 أي الجبري .
8 فرعون: اسم أعجمي . وقد استخدم في اللغة العربية، فقيل: تفرعن فلان: إذا تعاطى فعل فِرعون؛ كما يُقال: أبلس إبليس. ومنه قيل للطغاة: الفراعنة والأبالسة.
انظر: المفردات للراغب الأصفهاني ص 362 . والمصباح المنير ص 470 .



ص -928- والآخرة، والمنازع عنده لا فرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى الرب وإلى إرادته وحكمته وعلمه، بل إنما عُلم وقوع أحدهما بمجرد الخبر1، لا لامتناع أحدهما، ووجوب الآخر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بمعنى أن الأشعري يقول: علمت أن الله لا يُعذّب المؤمنين وينعم الكافرين بمجرد خبر النبي الصادق؛ وهي الدلالة السمعية المجردة . أما عقلاً: فيجوز أن يفعل الله كلّ مقدور، فيعذب هؤلاء وينعم هؤلاء، ويُسوي بين الصادق والكاذب، لكن بالدلالة الخبرية السمعية علمت أنه لا يفعل .
انظر: اللمع للأشعري ص 71 . والتمهيد للباقلاني ص 385 . وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 566-568 .
ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام حول هذا الموضوع، يقول فيه: "وأما مثبتة الصفات كابن كلاب والأشعري وغيرهما ممن يثبت الصفات ولا يثبت إلا واحداً معيّناً؛ فلا يُثبت إلا إرادة واحدة تتعلق بكل حادث، وسمعاً واحداً معيناً متعلقاً بكل مسموع، وبصراً واحداً معيناً متعلقاً بكلّ مرئي، وكلاماً واحداً بالعين يجمع جميع أنواع الكلام، كما قد عُرف من مذهب هؤلاء . فهؤلاء يقولون: جميع الحادثات صادرة عن تلك الإرادة الواحدة العين المفردة التي ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح، وهي المحبة والرضا وغير ذلك .
وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح إلا من حيث موافقتها للإنسان، ومخالفة بعضها له . فما وافق مراده ومحبوبه كان حسناً عنده، وما خالف ذلك كان قبيحاً عنده، فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها الله، ولا سيئة يكرهها، إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها، والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها، من غير فرق يعود إليه، ولا إلى الأفعال أصلاً .
ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسناً ولا قبيحاً، لا بمعنى الملائم للطبع والمنافي له . والحسن والقبح الشرعي هو ما دلّ صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة، أو حصول ألم له . ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان، وينهى عن كلّ شيء، حتى الإيمان والتوحيد . ويجوز نسخ كل ما أمر به بكل ما نهى عنه . ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شر، ولا حسن ولا قبيح إلا بهذا الاعتبار، فما في الوجود ضر ولا نفع . والنفع والضر أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضرّ هذا". مجموع الفتاوى 8342-344 . وانظر: المصدر نفسه 8337-355 .



ص -929- والخبر إنما هو خبر الأنبياء، وذلك موقوف على العلم بصدقهم، وهو يستلزم صدقهم .
وعلى أصله1 يمتنع العلم بصدقهم؛ فإنه يجوّز أن يسوي الله بين الصادق والكاذب على أصله؛ إذ كان يجوز عليه عنده كل مقدور .
وعنده لا يجوز أن يفعل فعلاً لحكمة، فلا يجوز على أصله أن يخلق الله آية ليدل بها على صدقهم2 .
وإذا قال3: تجويز ذلك يقتضي أنه لا يقدر على خلق ما به يبين صدق الصادق، فلذلك منعت من ذلك لأنه يفضي إلى تعجيزه .
قيل له: إنّما يفضي إلى عجزه إذا كان خلق دليل الصدق ممكناً . وعلى أصلك لا يمكن إقامة الدليل على [إمكانه]4؛ فإنّ الدليل يستلزم المدلول، ويمتنع ثبوته مع عدمه، وأيّ شيء قدّرتَه، جاز أن يخلقه على أصلك على يد الكاذب، وأنت لا تنزهه عن فعل ممكن5 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: منهاج السنة النبوية 386-91 .
2 الأشاعرة ينفون أن يفعل الله شيئاً لأجل شيء، لأنهم ينفون حكمة الله سبحانه وتعالى .
وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 653-654 . وانظر: الإرشاد للجويني ص 326 . والمواقف للإيجي ص 231 .
3 انظر: الإرشاد للجويني ص 326-327 . والمواقف للإيجي ص 242 .
وانظر اعتراض المعتزلة على الأشاعرة في شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص 564-571 .
وقد رد عليهم شيخ الإسلام رحمه الله فيما مضى .
وانظر له : الجواب الصحيح 6393 - 401 . وشرح الأصفهانية 2616- 624 .
4 في ((ط)): إمكان .
5 انظر ما سبق ص 245-248 من هذا الكتاب .



ص -930- وإذا قلتَ: أُنزّهه عن فعل ممكن يستلزم عجزه، كان هذا تناقضاً؛ فإن فعل الممكن لا يستلزم العجز، بل امتناع الممكن يستلزم العجز. وبيان ذلك أن يقال: ما خلقه على يد الصادق هو قادرٌ على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا؟ .
فإن قلتَ: ليس بقادر، فقد أثبتَّ عجزه . وإن قلتَ: هو قادر على ذلك، فالمقدور عندك لا يُنزه عن شيء منه . وإن قلتَ: هذا المقدور أنزّهه عنه، لئلاّ يلزم عجزه، كان حقيقة قولك: أُثبت عجزه [لئلاّ أنفي]1 عجزه؛ فجعلته عاجزاً لئلا [تجعله]2 عاجزاً، فجمعتَ بين النقيضين؛ بين إثبات العجز ونفيه .
وإنما لزمه هذا؛ لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور، فاستوت المقدورات كلها في الجواز عليه عنده، ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة، أو الخبر3 . والعادة يجوز انتقاضها عنده4، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر، ولا طريق له إلى ذلك .
فتبيَّن أنّ كلّ من لم يُنزّه الرب عن السوء والسفه، ويصفه بالحكمة والعدل، لم يمكنه أن يعلم نبوة نبيّ، ولا المعاد، ولا صدق الرب في شيء من الأخبار .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): لأنفي .
2 في ((خ)): يجعله . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
3 قد تقدمت هذه المناظرة بين شيخ الإسلام رحمه الله والأشاعرة في ص 588 من هذا الكتاب .
4 الأشاعرة يُجوّزون أن يأتي الساحر والكاهن بمثل آيات الأنبياء، إلا أنه لا يدّعي النبوة، فيجوزون خرق العادات لغير الأنبياء . انظر: البيان للباقلاني ص 94-95 . وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 259-267، 581، 586، 990، 1030-1033، 1066 .



ص -931- الطريقة الأولى عند الأشاعرة في دلالة المعجزة
فهذه طريقة من يجعل وجه دلالة المعجز على صدق الأنبياء، لئلا يلزم العجز1 .
الطريقة الثانية
وأما الطريق الثانية، وهي أجود، وهي التي اختارها [أبو]2 المعالي3 وأمثاله . فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار . وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أنّه يفعل لحكمة .
وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة، انتفى العلم الاضطراري . والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي [جعل]4 آية لرسوله أمراً خارجاً عن عادته، إنّما دلت للعلم بأنّ الملك يفعل شيئاً لشيءٍ، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة5 .
دليل القدرة في إثبات النبوة
وكذلك دليل القدرة6: هو دليل صحيح، لكن مع إثبات الحكمة؛ فإنّه سبحانه [وتعالى]7 قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب؛ إذ كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهي الطريقة الأولى عند الأشاعرة؛ طريقة أبي الحسن الأشعري في دلالة المعجزة . انظر ما سبق، ص 580-581 .
2 في ((ط)): أو .
3 انظر: الإرشاد للجويني ص 313، 325-330، 585، 642 .
4 في ((خ)): جعله . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
5 انظر نقد شيخ الإسلام رحمه الله لهذه الطريقة - الثانية - عند الأشاعرة، ومخالفتها لأصولهم، في : الجواب الصحيح 6397-399 . وشرح الأصفهانية 2623-624 . وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 278-280، 581-583، 592، 821-822، 1064-1065 .
6 انظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن دليل الضرورة والقدرة في إثبات النبوة، في درء تعارض العقل والنقل 94-045، 52-53 .
7 في ((خ)) رسمت: جعل . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .



ص -932- قادراً على أن يهدي عباده إلى ما هو أدقّ من هذا، فهداهم إلى أسهل1.
[لكن]2 هذا3 يستلزم إثبات حكمته ورحمته، فمن لم يثبت له حكمة ورحمة، امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة .
صفة الكلام لله والكلام النفسي عند الأشاعرة
وأيضاً: فآيات الأنبياء تصديق بالفعل، فهي تدلّ إذا عُلم أنّ من صدّقه الرب فهو صادق، وذلك يتضمن تنزيهه عن الكذب . وعلى أصلهم لا يعلم ذلك، فإنّ ما يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو مخلوق من المخلوقات، فيجوز أن يتكلم كلاماً يدلّ على شيء، وقد أراد به شيئاً آخر؛ فإنّ هذا من باب المفعولات عندهم .
والكلام النفسي4 لا سبيل لأحدٍ إلى العلم به . فعلى أصلهم: يجوز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: إلى أسهل الطرق وأوضحها في ثبوت النبوة؛ لأنه كلما كان الناس إلى الشيء أحوج، فإن الله ييسره لهم منة منه وفضلاً .
2 في ((ط)): فكن .
3 إشارة إلى دليل القدرة .
4 الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه، وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام .
وقد ذهبت الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلاً وأبداً، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عُبّر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عُبّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. ونفوا أن يكون الله متكلماً بحرف وصوت زاعمين أن كلامه سبحانه نفسي. أما القرآن الكريم: فقد صرّحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله. وانظر مذهب الأشاعرة والكلابية في كلام لله والقرآن في: الإرشاد للجويني ص 99. وأصول الدين للبغدادي ص 106-108. والمواقف للإيجي ص 293، 294. والبرهان للسكسكي ص 37 . وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للباجوري ص 94 .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم: اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة؛ وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله" . مجموع الفتاوى 12243-244 . وانظر: المصدر نفسه 1269-70، 162-174، 17165-166. وشرح الأصفهانية2340-342. ودرء تعارض العقل والنقل 1268. ومختصر الصواعق 2512-513 . وشرح الطحاوية ص 180 .



ص -933- الكذب في الكلام المخلوق العربي، وهو الذي يستدلّ به الناس، فلا يبقى طريق إلى العلم بأنّه صادق فيما يخلقه من الكلام .
أصول الأشاعرة السمعية
ولهذا تجد حذّاقهم في السمعيات1 إنّما يفرّون إلى ما عُلم بالاضطرار من قصد الرسول، لا إلى الاستدلال بالقرآن؛ فالقاضي أبو بكر عمدته أن يقول هذا ممّا وَقَفَنَا عليه الرسول، وعلمنا قصده بالاضطرار؛ كما يقول مثل ذلك في تخليد أهل النار2، وفيما علمه من الأحكام؛ إذ كانوا لا يعتمدون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأدلة السمعية المقصود بها: القرآن، والسنة، والإجماع . وما يثبتونه بهذه الأدلة هو من السمعيات .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشاعرة: (وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنة، بل يعتمدون على القياس العقلي الذي هو أصل كلامهم وعلى الإجماع) . انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 709 .
وقال أيضاً عنهم: ".. إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك: الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل المذاهب الأربعة .. يسمونها السمعيات، بخلاف باب الصفات والقدر، وذلك بناء على أصلين، أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع، والثاني: أن ما قبلها يعلم بالعقل" . شرح الأصفهانية 2631 وانظر: درء تعارض العقل والنقل 895-97 . وما سبق في هذا الكتاب ص 574-578 .
2 أورد ذلك الباقلاني بأسلوب المحاورة، فقال: "فإن قال قائل: فهل يصحّ على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين، وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع؟ قيل له: أجل، له ذلك، ولو فعله لكان جائزاً منه غير مستنكر من فعله. فإن قال: فما الذي يؤمنكم من تعذيبه المؤمنين وتنعيمه الكافرين ؟ قيل له: يؤمننا من ذلك توقيف النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين على أنه لا يفعل ذلك، وعلى أنه قد أخبر أخباراً علموا قصده به ضرورة إلى أن ذلك لا يكون، ولولا هذا التوقيف والخبر لأجزنا ما سألت عنه". التمهيد للباقلاني ص 385 -386 .



ص -934- على القول المسموع؛ لا خبراً، ولا أمراً، فهم لا طريق [عندهم]1 إلى التمييز بين ما يقع وما لا يقع؛ مثل التمييز بين كونه يثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو لا يفعله .
ففي الجملة: جميع أفعاله؛ من إرسال الأنبياء، ومجازاة العباد، [وقيام القيامة، لا طريق لهم إلى العلم بذلك إلا من جهة الخبر، وطريق الخبر]2 على أصلهم مسدود3 .
وهم يعلمون صدق الرسول، وصدق خبره معلومٌ في أنفسهم، لكن يناقض أصولهم .
لكن مع هذا هم واقفة فيما أخبرت به الرسل من الوعيد، فضعف علمهم بما أخبرت به الرسل، فصاروا في نقصٍ عظيم؛ في علمهم، وإيمانهم بما أخبرت به الرسل، وما أمرت به، وفي أصل ثبوت الرسالة . هذه السمعيات .
أصول الأشاعرة العقلية
وأما العقليّات: [فمدارها]4 على حدوث الجسم. وقد عرف فساد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 سبق مثل هذا في الكلام في ص 280-286، 731 من هذا الكتاب .
4 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .



ص -935- أصلهم فيها1 . فهذه أصولهم العقلية والسمعية .
وهم لا يعلمون أيضاً ما يفعله الرب من غير الخبر، إلا من جهة العادة .
العادة
والعادة يجوز عندهم نقضها بلا سبب ولا لحكمة2، ويجوّزون أن تصبح الجبال يواقيت، والبحار زيبقاً .
فإذا احتجوا [بالعادات]3، فقيل لهم: عندكم يجوز نقضها بلا سبب ولا حكمة، أجابوا: بأن الشيء قد يعلم جوازه، ويعلم بالضرورة أنه لا يقع . وهذا أيضاً جمعٌ بين النقيضين .
العقل عند الأشاعرة
وهم يقولون: العقل هو: العلم بجواز الجائزات، وامتناع الممتنعات4، ووجوب الواجبات؛ كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ياقوتاً . ثمّ يجعلون هذا من الجائز، على أصلهم: ليس في الأفعال، لا واجب، ولا ممتنع، بل كلّ مقدورٍ، فإنّه جائز الوجود، وجائز العدم، لا يُعلم أحدُ الطرفين، إلاّ بخبرٍ، أو عادةٍ، لا بسبب يقتضيه، ولا حكمة تستلزمه. كما أنّ المرجّح له عندهم مجرّد الإرادة، لا بسبب ولا حكمة. وإذا علم جواز الشيء وعدمه، ولم يعلم ما يوجب أحدهما، [امتنع]5 أن يعلم بالضرورة ثبوت أحدهما .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وقد أبطل شيخ الإسلام رحمه الله هذا الأصل في كثير من كتبه . وعلى سبيل المثال: في درء تعارض العقل والنقل (771-74)، وفي بيان تلبيس الجهمية، وفي أول هذا الكتاب، انظر ص 289-306 منه .
2 انظر: الجواب الصحيح 6401 .
3 في ((خ)) رسمت: بالعبادات . وما اثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل 949 . والجواب الصحيح 6399-401 .
5 في ((ط)): إتمنع .



ص -936- والنّاس إنّما يعلمون أن الجبال لم تنقلب يواقيت، لعلمهم بأنّ هذا ممتنع، وأنّ الله إذا أراد قلبها يواقيت، أحدث أسبابا تقتضي ذلك1 .
فأما انقلاب العادة بلا سبب: فهذا ممتنع عند العقلاء. وجميع ما خرق الله به العادة كان لأسباب تقتضيه، ولِحِكَمٍ فعل لأجلها2، لم [تكن]3 ترجيحاً بلا مرجّح، كما يقوله هؤلاء، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ليس كلّ ما عُلم إمكانه جُوّز وقوعه، فإنا نعلم أن الله قادر على قلب الجبال ياقوتاً، والبحار دماً، ونعلم أنه لا يفعل ذلك" . شرح الأصفهانية 2471 .
2 وقد ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على هؤلاء الذين يُجوّزون نقض العادات بدون سبب ولا حكمة، فقال: "وكل ما وجد في العالم من خوارق العادات؛ آيات الأنبياء وغيرها، لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته؛ كآيات موسى؛ من مثل مصير العصا حية، كانت بعد أن ألقاها؛ إما عند أمر الله له بذلك لما ناداه من الشجرة ورأى النار الخارقة للعادة؛ وإما عند مطالبة فرعون له بالآية؛ وإما عند معارضة السحرة لتبتلع حبالهم وعصيهم . وكذلك سائر آياته، حتى إغراق فرعون كان بعد مسير الجيش، وضربه البحر بالعصا، وكذلك تفجّر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه واستسقاء قومه إياه وهم في برية لا ماء عندهم .
وكذلك آيات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ مثل تكثير الماء، كان بوضع يده فيه، حتى نبع الماء من بين الأصابع؛ أي تفجّر الماء من بين الأصابع، لم يخرج من نفس الأصابع . وكذلك البئر كان ماؤها يكثر إما بإلقائه سهماً من كنانته فيها، وإما بصبه الماء الذي بصق فيه .
وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً بإذن الله، إلى أمثال ذلك . فأما جبل ينقلب ياقوتاً بلا أسباب تقدمت ذلك، فهذا لا كان ولا يكون . وكذلك نهر يطرد يصير لبناً بلا أسباب تقتضي ذلك يخلقها الله، فهذا لا كان ولا يكون" . الجواب الصحيح 6403-404 . وانظر: شرح الأصفهانية 2479 .
3 في ((م))، و ((ط)): يكن .



ص -937- الرد على الأشاعرة في النبوات
الأشاعرة يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها
ولو [لم]1 يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نميز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على ما قاله هؤلاء من هذه السؤالات، لم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار. لكن: لمّا تكلموا في إثبات النبوة، صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة2، كما ذكرنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين .
2 انظر مثلاً ما قاله العلماء عن الرازي من أنه يورد الشبه، ولا يرد عليها، وأنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة، فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة. حتى قال فيه بعض علماء المغاربة: يورد الشبه نقداً، ويحلّها نسيئة .
انظر: ذيل الروضتين ص 68 . ولسان الميزان 4427-428 . ونقض التأسيس - مخطوط - 16-7 .
وقد توعّد شيخ الإسلام رحمه الله الأشاعرةَ في مناظرته لهم، إن لم يكفوا عن مخالفته أن يكشف أستارهم، ويبين عوار مذهبهم ومعتقدهم، ومخالفته لمعتقد السلف، فقال رحمه الله: (فلما اجتمعنا وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم، حمدت الله بخطبة الحاجة ... - إلى أن قال: - وربنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبيّنت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلاماً وللحرب كلاماً . وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا أنا حنبلي، ويقول هذا أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها". مجموع الفتاوى 3181-182 . وانظر المصدر نفسه 3188-189 .
وقد تقدّم بيان شيخ الإسلام رحمه الله لسبب بسطه في الرد على هؤلاء في ص 773-776 من هذا الكتاب .



ص -938- كلامهم1، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم، - لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام، [ونظّاره]2، والقائمون ببراهينه وأدلته - إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيها أو الطعن، وأنها حجة تقدح في الأنبياء، و [تورث]3 الشك فيها، أو الطعن فيها، وأنها حجّة لمكذب الأنبياء أعظم مما هي حجّة لمصدق الأنبياء، فانسدّ طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل4، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله يُخاطب المتكلمين، ويبين لهم ضعف أجوبتهم مع الفلاسفة، وينصحهم أن لا يدخلوا معهم في مناظرات لا ينتصرون فيها: "ومن العجيب أنّ المتكلمين المناظرين لهؤلاء وأمثالهم من أهل الكفر إذا أوردوا سؤالاً ... لا يكون المجيب متمكناً من ذلك علماً وبياناً، ولا ينقطع بذلك الخصم، ولا يهتدي لنقص قوى إدراكه، أو سوء قصده، أو لاحتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل، وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة . فيتركوا أن يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة، وبيان تناقضهم، وأن قائلها يلزمه إذا قال بها أعظم مما أنكره . فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه، حصل دفع هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة . وهو المقصود في هذا المقام، ثم بيان الحق وتكميله مقامه آخر" . بيان تلبيس الجهمية 1171 . وانظر: المصدر نفسه 18 . والرد على المنطقيين ص 273-274 .
2 في ((خ)): نظائره . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
3 في ((خ)): يورث . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
4 يقول شيخ الإسلام رحمه الله عن هؤلاء الذي يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها: "ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة، نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذي يعتمد في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة، قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالاً، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جواباً في المسائل الظنية، بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين . وهم كما مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضرباً يزلزلها به، وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها . وكثير من أئمة هؤلاء مضطرب في الإيمان بالنبوة اضطراباً ليس هذا موضع بسطه . وهم مع ذلك يدّعون أنه قد ظهر عن أهل الكتاب ما لم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار، وينهون عن إظهار آيات الله وبراهينه التي هي غاية مطالب شيوخهم، وهم لم يعطوها حقها، إما عجزاً، وإما تفريطاً" . الجواب الصحيح 1243-244 .



ص -939- والذي يفهم ما قالوه، لا يكون إلا فاضلاً، قد قطع درجة الفقهاء، ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء؛ إما منافقين؛ وإما في قلوبهم مرض، ويظنّ الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلاً، فكان ما جهلوه من آيات الأنبياء؛ إذ كان العلم بآيات الله، وما قصّه لخلقه من الدلائل والبراهين، مستلزماً لثبوت علمه وحكمته ورحمته وعدله، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم .
وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ كل شيء، ولم يخلق أفعال العباد1 . وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتم إلا بجحد حكمته، وعدله، ورحمته، فغلطوا في ذلك .
المعتزلة غلطوا من جهات كثيرة
كما أنّ المعتزلة أيضاً غلطوا من جهات كثيرة، وظنّوا أنه لا تثبت حكمته، وعدله، ورحمته، إن لم يجحد خلقه لكل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ويجحد اتصافه بالكلام، والإرادة، وغير ذلك من أقوال المعتزلة2، التي هي من أقوال هؤلاء؛ فإن هؤلاء3 في الصفات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 8469، 471، 476 .
2 وقد أورد شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه منهاج السنة النبوية قول كل من الجهمية والمعتزلة في هذه المسائل . انظر: المنهاج 3194-197 .
3 يعني الأشاعرة .



ص -940- خيرٌ من المعتزلة، وفي الأفعال من بعض الوجوه1 .
الغزالي ترك طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات على ثبوت النبوة
ولهذا لما ظهر للغزالي ونحوه [ضعّف]2 طريق الاستدلال بالمعجزات الذي سلكه شيوخه، وهو لا يعرف غيره؛ أعرض [عنها]3، وذكر أنه إنما علم ثبوت النبوة بقرائن تعجز عنها العبارة، وهي علوم ضرورية حصلت له على الطول . وجعل الدليل على النبوة هو العلم بأنّ ما جاء به حقّ من غير جهته .
وهذه طريق صحيحة قد سلك الجاحظ4 نحواً منها5 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله في معرض كلامه عن الضرارية والنجارية: "والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون منه الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة ... وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة ..".
ثم قال رحمه الله عن المعتزلة: "وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويُقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد وغلوا فيه، فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك في هذا الباب". التدمرية ص 191، 193 .
وقال رحمه الله عن الأشاعرة: "فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم" . بيان تلبيس الجهمية 287 . وانظر درء تعارض العقل والنقل 6292 .
2 في ((خ)): ضعيف . وما أثبت من ((م))، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)) .
4 هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ البصري المعتزلي. متبحر ذو فنون، وصاحب تصانيف، وكان ماجناً قليل الدين، له نوادر، أخباري علامة، وهو صاحب الطريقة الجاحظية من المعتزلة .
توفي سنة 255 ? .
انظر: سير أعلام النبلاء 11526-530 . وشذرات الذهب 2121 . والأعلام 574 .
5 وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله القول في هذا الموضوع. انظر: درء تعارض العقل والنقل 3353-354، 946-49، ونقل رحمه الله عن الجاحظ قوله: "معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال، وأن العبد غير مأمور بها) . درء تعارض العقل والنقل 7354 .
وانظر: المصدر نفسه 948 .



ص -941- النبوة التي يثبتها الغزالي هي نبوة الفلاسفة.
ولكن النبوة التي علمها أبو حامد هي النبوة التي [يثبتها]1 الفلاسفة، وهي من جنس المنامات، ولهذا استدلّ على جوازها بمبدأ الطب والهندسة، ونحو ذلك2 .
وأمر النبوة أعظم من هذا بكثير، وتلك النبوة موجودة لخلق من الناس، فلهذا لا يوجد للنبوة عندهم ما تستحقه من التصديق والاحترام، ولا يعتمدون عليها في استفادة شيء من العلم الخبري، وهي الإنباء بالغيب وهي خاصة النبوة .
الرازي متردد بين نبوة الفلاسفة والأشاعرة
والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة، ونبوّة أصحابه هؤلاء3، كما ترى4، وليس في واحدٍ من الطريقين إثبات النبوة التي خصّ الله بها أنبياءه .
فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء بالأنبياء، وضعف أخذ العلم من طريقهم، لا سيما وقد عارضوا كثيراً ممّا جاء عنهم بالعقليات5، ودخلوا فيما هو أبعد عن الهدى والعلم؛ من العقليات، والذوقيات التي من سلكها ضلّ ضلالاً بعيداً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): تثبتها .
2 وقد مضى استدلال الغزالي على إثبات النبوة بهذه الطريق . انظر ص 228، 732-733، 966 من هذا الكتاب . وانظر شرح الأصفهانية 2558 .
3 أي الأشاعرة .
4 انظر اضطرابه في النبوات، وميله إلى أقوال الفلاسفة في : المباحث المشرقية 2521-522. وانظر: بيان تلبيس الجهمية 1122. وانظر اضطراب الأشاعرة في النبوة فيما مضى من هذا الكتاب، ص 573-576، 612، 747-753، 954-965 .
5 أي عارضوا ما جاء عن الأنبياء بعقلياتهم .



ص -942- وإنما ينجو من سلك منها شيئاً إذا لطف الله، فعرّفه السلوك [خلف]1 طريق الأنبياء .
فمن لم يهتد بما جاءت به الأنبياء، فهو أبعد الناس عن الهدى: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرَاً كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئَاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}2، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيلٌ يَومَئِذٍ للمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}3، {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}4 .
اعتراف الرازي في آخر مصنفاته
ولهذا اعترف الرازي بهذا في آخر مصنفاته، حيث قال: ( ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ}5، {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}6. واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}7، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَاً}8 . ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي )9 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((ط)): خلق .
2 سورة الجاثية، الآيات 6-9 .
3 سورة المرسلات، الآيات 48-50 .
4 سورة آل عمران، الآية 101 .
5 سورة فاطر، الآية 10 .
6 سورة طه، الآية 5 .
7 سورة الشورى، الآية 11 .
8 سورة طه، الآية 110 .
9 سبق ذلك مراراً. انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 357، 478، 612، 747.



ص -943- أقوال المخالفين يستفاد منها في بيان فساد قول كل طائفة
[و]1 أكثر الانتفاع بكلام هؤلاء، هو فيما يثبتونه من فساد أقوال سائر الطوائف وتناقضها .
وكذلك كلام عامة طوائف المتكلمين؛ يُنتفع بكلام كل طائفة في بيان فساد قول الطائفة الأخرى، لا في معرفة ما جاء به الرسول2؛ فليس في طوائف أهل الأهواء والبدع من يعرف حقيقة ما جاء به الرسول، ولكن يعرف كل طائفة منه ما يعرفه، فليسوا كفاراً جاحدين [به]3، وليسوا عارفين به .
فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت حمولاً
وبسط هذه الأمور له موضع آخر4، ولكن نبّهنا هنا على طريق الحكمة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
2 يذكر الشيخ رحمه الله هذه القاعدة في الاستفادة من كلام الفرق والطوائف .
وقد قال رحمه الله أيضاً عن تناقض أقوال المعتزلة والأشاعرة، وأن كل فريق يرد على أدلة الفريق الآخر: "وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة، فإنه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى، فيعرف الطالب فساد تلك الأقوال، ويكون ذلك داعياً له إلى طلب الحق، ولا تجد الحق إلا موافقاً لما جاء به الرسول، ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقاً لصريح المعقول، فيكون ممن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد" . مجموع الفتاوى 12314 .
وقال أيضاً: "عدم علمهم بما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول، فإن الأقوال المبتدعة لا بُدّ أن تكون مناقضة للعقل والشرع" . شرح الأصفهانية 2331 .
3 في ((ط)): حه .
4 انظر: مجموع الفتاوى 222-24، 6288، 7435-436، 829 . ودرء تعارض العقل والنقل 1326، 4206، 735-37، 967-68، 1097 . وبيان تلبيس الجهمية 2110-111 . والرد على المنطقيين ص 310-311



hgYsjJ]ghg fhgp;JJJJlm



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1RK5sOt
via IFTTT