السبت، 21 مايو 2016

عهد بني العباس بالعراق * 3

ص -217- ألم تر أن الشمس كانت مريضة فلما أتى هارون أشرق نورها

تلبست الدنيا جمالًا بملكه فهارون واليها، ويحيى وزيرها

فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطاه يحيى خمسين ألفًا.
ولداود بن رزين الواسطي فيه:

بهارون لاح النور في كل بلدة وقام به في عدل سيرته النهج

إمام بذات الله أصبح شغله فأكثر ما يعنى به الغزو الحج

تضيق عيون الخلق عن نور وجهه إذا ما بدا للناس منظره البلج

تفسحت الآمال في جود كفه فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو

وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك -رحمه الله- قال: وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية، فسمعه على بن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثًا.
ولمنصور النمري فيه:

جعل القرآن إمامه ودليله لما تخيره القرانُ ذمامًا

وله فيه من قصيدة:

إن المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع

ويقال: إنه أجازه عليه بمائة ألف.
وقال الحسن بن فهم: كان الرشيد يقول: من أحب ما مدحت به إلي:

أبو أمين ومأمون ومؤتمن أكرم به والدًا برًّا وما ولدا

وقال إسحاق الموصلي: دخلت على الرشيد فأنشدته:

وآمرة بالبخل قلت لها اقصري فذلك شيء ما إليه سبيل

أرى الناس خلان الجواد ولا أرى بخيلًا له في العالمين خليل

وإني رأيت البخل يزري بأهله فأكرمت نفسي أن يقال بخيل

ومن خير حالات الفتى لو علمته إذا نال شيئًا أن يكون ينيل

عطائي عطاء المكثرين تكرمًا ومالي كما قد تعلمين قليل

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ورأي أمير المؤمنين جميل

فقال: لا كيف إن شاء الله، يا فضل أعطه مائة ألف درهم، لله در أبيات يأتينا بها ما أجود أصولها، وأحسن فصولها فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أحسن من شعري، فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى.
وفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبي نواس: البيت

ص -218- الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه:

قد كنت خفتك ثم آمنني من أن أخافك خوفك الله

وقال محمد بن علي الخراساني: الرشيد أول خليفة لعب بالصوّالجة والكرة، ورمي النشاب في البرجاس، وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس.
وقال الصولي: هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.
ومن شعر الرشيد يرثي جاريته هيلانة أورده الصولي:

قاسيت أوجاعًا وأحزانًا لما استخصّ الموت هيلانا

فارقت عيشي حين فارقتها فما أبالي كيف ما كانا

كانت هي الدنيا، فلما ثوت في قبرها فارقت دنيانا

قد كثر الناس ولكنني لست أرى بعدك إنسانًا

والله لا أنساك ما حركت ريح بأعلى نجد أغصانًا

وله أيضًا، أنشده الصولي:

يا ربة المنزل بالفرك وربة السلطان والملك

ترفقي بالله في قتلنا لسنا من الديلم والترك

مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان، ودفن بها في ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وله خمس وأربعون سنة، وصلى عليه ابنه صالح.
قال الصولي: خلّف الرشيد مائة ألف ألف دينار، ومن الأثاث والجوهر والورق والدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته، فهمّ أن يفصل أعضاءه فقال: أنظرني إلى غد، فإنك تصبح في عافية، فمات ذلك اليوم، وقيل: إن الرشيد رأى منامًا أنه يموت بطوس، فبكى وقال: احفروا لي قبرًا، فحفر له، ثم حمل في قبة على جمل، وسيق به حتى نظر إلى القبر، فقال: يابن آدم تصير إلى هذا؟ وأمر قومًا فنزلوا فختموا فيه ختمة، وهو في محفة على شفير القبر، ولما مات بويع لولده الأمين في العسكر -وهو حينئذ ببغداد- فأتاه الخبر، فصلى بالناس الجمعة، وخطب، ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه، وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم، وسار على البريد في اثني عشر يومًا من مَرْوَ، حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة، فدفع ذلك إلى الأمين، ولأبي الشيص يرثي الرشيد:

غربت في الشرق شمس فلها عيني تدمع

ما رأينا قط شمسًا غربت من حيث تطلع

وقال أبو نواس جامعًا بين العزاء والهناء:



ص -219- جرت جوار بالسعد والنحس فنحن في مأتم وفي عرس

القلب يبكي والعين ضاحكة فنحن في وحشة وفي أنس

يضحكنا القائم الأمين ويبكينا وفاة الإمام بالأمس

بدران بدرٌ أضحى ببغداد في الخلد وبدر بطوس في الرمس

ومما رواه الرشيد من الحديث، قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف، حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي، سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته: حدثني مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"1.
حدثني محمد بن علي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن"2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري "1417/3"، ومسلم "1016/2"
2 أخرجه الديلمي "1804/1 كنز".

الأمين محمد، أبو عبد الله1
الأمين محمد أبو عبد الله بن الرشيد، كان ولي عهد أبيه، فولي الخلافة بعده، وكان من أحسن الشباب صورة، أبيض، طويلًا، جميلًا، ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة معروفة؛ يقال: إنه قتل مرة أسدًا بيده، وله فصاحة وبلاغة، وأدب وفضيلة، لكن كان سيئ التدبير؛ كثير التبذير، ضعيف الرأي، أرعن، لا يصلح للإمارة، فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة، ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه، ووقعت الوحشة بينه وبين أخيه المأمون، وقيل: إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبقِ عليه، فأغرى الأمين به، وحثه على خلعه، وأن يولي العهد لابنه موسى، ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والضرب، ثم إن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه، ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق، فرد المأمون ذلك وأباه، وخامر الرسول معه، وبايعه بالخلافة سرًّا، ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويناصحه من العراق، ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد، وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد وجعله بالكعبة، فأحضروه ومزقه، وقويت الوحشة، ونصح الأمين أولو الرأي، وقال له خزيمة بن خازم: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك من كذبك، ولن يغشك من صدقك، لا تجرئ القوّاد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا بيعتك وعهدك، فإن الغادر مغلول والناكث مخذول، فلم ينتصح، وأخذ يستميل القواد بالعطاء، وبايع العهد لابنه موسى، ولقبه الناطق بالحق، وهو إذ ذاك طفل رضيع، فقال بعض الشعراء في ذلك:

أضاع الخلافة غش الوزير وفسق الأمير وجهل المشير

لواط الخليفة أعجوبة وأعجب منه حلاق الوزير


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 193هـ وحتى 198هـ.



ص -220- فلو يستعفان هذا بذاك لكانا بعرضة أمر ستير

وأعجب من ذا وذا أننا نبايع للطفل فينا الصغير

ومن ليس يحسن غسل استه ولم يخل من بوله حجر ظير

وما ذاك إلا بفضل وبكر يريدان طمس الكتاب المنير

وما ذان لولا انقلاب الزما ن في العير هذان أو في النفير

ولما تيقن المأمون خلعه، تسمى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك، وولي الأمين عليّ بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين، فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفًا في هيئة لم ير مثلها، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه، فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف، فكانت الغلبة له، وذبح عليّ وهزم جيشه، وحملت رأسه إلى المأمون، فطيف بها في خراسان، وسلّم على المأمون بالخلافة، وجاء الخبر الأمين وهو يتصيد السمك فقال للذي أخبره: ويلك دعني فإن كوثرًا صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئًا بعد. وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل عليّ أرجف الناس ببغداد إرجافًا شديدًا، وندم الأمين على خلعه أخاه، وطمع الأمراء فيه، وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين، واستمر القتال بينه وبين أخيه، وبقي أمر الأمين كل يوم في الإدبار لانهماكه في اللعب والجهل، وأمر المأمون في ازدياد إلى أن يبايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق، وفسد الحال على الأمين جدًّا، وتلف أمر العسكر، ونفدت خزائنه، وساءت أحوال الناس بسبب ذلك، وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست1 محاسن بغداد وعملت فيها المراثي، ومن جملة ما قيل في بغداد.

بكيت دمًا على بغداد لما فقدت غضارة العيش الأنيق.

أصابتها من الحسّاد فأفنت أهلها بالمنجنيق

ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرًا، ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون، ولم يبقَ مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحرافشة، إلى أن استهلت سنة ثمانٍ وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسرًا، فخرج الأمين بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.
قال محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور قال: فطلبني ليلة فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر وضوءه في الماء، فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف، فتطيرت من اسمها، فأمرها أن تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 درست: درس الرسم: أي عفا، والمعنى: انتهت ومحيت.

ص -221- كليب لعمري كان أكثر ناصرًا وأيسر ذنبًا منك ضرّج بالدم

فتطير بذلك، وقال: غني غير هذا، فغنت:

أبكي فراقهم عني فأرقها إن التفرق للأحباب بكاء

مازال يعدو عليهم ريب دهرهم حتى تفانوا، وريب الدهر عدّاء

فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم حتى أؤوب وما في مقلتي ماء

فقال لها: لعنك الله ما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننت أنك تحب هذا ثم غنت:

أما ورب السكون والحرك إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار ولا دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك

وملك ذي العرش دائم أبدًا ليس بفانٍ ولا بمشترك

فقال لها: قومي لعنك الله فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم أما ترى؟ والله ما أظن أمري إلا قرب، فقلت: بل يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، فسمعت صورتًا من دجلة: {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان}[يوسف: 41] فوثب محمد مغتمًّا، وقتل بعد ليلتين، أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلًا فضربوه بالسيف ثم ذبحوه من قفاه وذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان، ونودي: هذا رأس المخلوع محمد، وجرت جثته بحبل، ثم بعث طاهر بالرأس والبرد والقضيب والمصلى وهو من سعف مبطن إلى المأمون، واشتد على المأمون قتل أخيه، وكان يحب أن يرسل إليه حيًّا ليرى فيه رأيه، فحقد بذلك على طاهر بن الحسين، وأهمله نسيًا منسيًّا إلى أن مات طريدًا بعيدًا، وصدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى طاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها: يا طاهر، ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف، فانظر لنفسك أو دع، يلوّح بأبي مسلم وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم، ولإبراهيم بن المهدي في قتل الأمين:

عوجًا بمغني طلل دائر بالخلد ذات الصخر والآجر

والمرمر المسنون يطلى به والباب باب الذهب الناضر

وأبلغا عني مقالًا إلى المولى عن المأمور والآمر

قولًا له يابن ولي الهدي طهّر بلاد الله من طاهر

لم يكفه أن حزّ أوداجه ذبح الهدايا بمدى الجازر

حتى أتى يسحب أوصاله في شطن، هذا مدى السائر

قد برد الموت على جفنه فطرفه منكسر الناظر

ومما قيل فيه:

ص -222- لِمَ نبكيك؟ لماذا؟ للطرب يا أبا موسى وترويج اللعب

ولترك الخمس في أوقاتها حرصًا منك على ماء العنب

وشنيف أنا لا أبكي له وعلى كوثر لا أخشى العطب

لم تكن تصلح للملك، ولم تعطك الطاعة بالملك العرب

لم نبكيك؟ لما عرضتنا للمجانيق وطورًا للسّلب

ولخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها:

أتى طاهر لا طهر الله طاهرًا فما طاهر فيما أتى بمطهّر

فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرًا وأنهب أموالي، وأخرب أدؤري

يعزّ على هارون ما قد لقيته وما مر بي من ناقص الخلق أعور

تذكّر أمير المؤمنين قرابتي فديتك من ذي حرمة متذكر

قال ابن جرير: لما ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيرهم لخلوته، ورفض النساء والجواري، وقال غيره: لما ملك وجّه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق، واقتنى الوحوش والسباع والطيور، واحتجب عن أهل بيته وأمرائه، واستخفّ بهم، ومحق ما في بيوت الأموال، وضيع الجواهر والنفائس، وبنى عدة قصور للهو في أماكن، وأجاز مرة من غنى له:

هجرتك حتى قلت لا يعرف القلى وزرتك حتى قلت ليس له صبر

بملء زورقه ذهبًا، وعمل خمس حراقات، جمع حراقة -بالفتح والتشديد- ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمى بها العدو على خلقة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها أموالًا فقال أبو نواس:

سخر الله الأمين مطايا لم تسخر لصاحب المحراب

فإذا ما ركابه سرن برًّا سار في الماء راكبًا ليث غاب

أسدًا باسطًا ذراعيه يهوى أهرت الشّدق كالح الأنياب

قال الصولي: حدثنا أبو العيناء، حدثنا محمد بن عمرو الرومي، قال: خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب، فأصابته رجمة في وجهه، فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال:

ضربوا قرة عيني ومن أجلي ضربوه

أخذ الله لقلبي من أناس أحرقوه

ولم يقدر على زيادة، فأحضر عبد الله بن التيمي الشاعر، فقال له: قل عليهما، فقال:

ما لمن أهوى شبيه فبه الدنيا تتيه

وصله حلو، ولكن هجره مر كريه



ص -223- من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه

مثل ما قد حسد القا ئم بالملك أخوه

فأوقر له ثلاث بغال دراهم، فلما قتل الأمين جاء التيمي إلى المأمون وامتدحه، فلم يأذن له، فالتجأ إلى الفضل بن سهل، فأوصله إلى المأمون فلما سلم عليه قال: هيه يا تيمي:

مثل ما قد حسد القا ئم بالملك أخوه

فقال التيمي:

نصر المأمون عبد الله لما ظلموه

نقض العهد الذي قد كان قدمًا أكدوه

لم يعامله أخوه بالذي أوصى أبوه

فعفا عنه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقيل: إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا نواس هجاه، فقال: يا عم أقتله بعد قوله؟:

أهدى الثناء إلى الأمين محمد ما بعده بتجارة مرتبصُ

صدق الثناء على الأمين محمد ومن الثناء تكذب وتخرص

قد ينقص البدر المنير إذا استوى وبهاء نور محمد ما ينقص

وإذا بنو المنصور عد خصالهم فمحمد ياقوتها المتخلّص

قال أحمد بن حنبل: إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن علية، فإنه أدخل عليه، فقال: يابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق؟
قال المسعودي: ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية سوى علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين؛ فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها أمة العزيزة، وزبيدة لقب لها.
وقال إسحاق الموصلي: اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره، كان أحسن الناس وجهًا، وأسخاهم، وأشرف الخلفاء أبًا وأمًّا، حسن الأدب، عالِمًا بالشعر، لكن غلب عليه الهوى واللعب، وكان مع سخائه بالمال بخيلًا بالطعام جدًّا.
وقال أبو الحسن الأحمر: كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو، فينشدنيه الأمين، وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون.
وكان قتله في المحرم سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله سبع وعشرون سنة.
مات في أيامه من الأعلام:
إسماعيل بن علية، وغندر، وشقيق البلخي الزاهد، وأبو معاوية الضرير، ومؤرج السدوسي، وعبد الله بن كثير المقرئ، وأبو نواس الشاعر، وعبد الله بن وهب صاحب مالك، وورشٌ المقرئ، ووكيع، وآخرون.

ص -224- وقال علي بن محمد النوفلي، وغيره: لم يدع للسفاح، ولا للمنصور، ولا للمهدي، ولا للهادي، ولا للرشيد على المنابر بأوصافهم، ولا كتبت في كتبهم حتى ولي الأمين؛ فدعي له بالأمين على المنابر، وكتب عنه: من عبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين، وكذا قال العسكري في الأوائل: أول من دعي له بلقبه على المنابر الأمين.
ومن شعر الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيره بأمه لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه ويفضل نفسه عليه، أنشده الصولي:

لا تفخرنّ عليك بعد بقية والفخر يكمل للفتى المتكامل

وإذا تطاولت الرجال بفضلها فاربع؛ فإنك لست بالمتطاول

أعطاك ربك ما هويت، وإنما تلقى خلاف هواك عند مراجل

تعلو المنابر كل يوم آملًا ما لست من بعدي إليه بواصل

فتعيب من يعلو عليك بفضله وتعيد في حقي مقال الباطل

قلت: هذا نظم عالٍ، فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه.
قال الصولي: ومما رواه جماعة له في خادمه كوثر، وقد سقاه، وهو على بساط نرجس والبدر قد طلع، وقد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع، وكان نديمه لا يفارقه:

وصف البدر حسن وجهك حتى خلت أني أراه لست أراكا

وإذا ما تنفس النرجس الغـ ـض توهّمته نسيم ثناكا

خدعٌ للمنى تعللني فيك بإشراق ذا ونكهة ذاكا

لأقيمنّ ما حييت على الشكر لهذا وذاك إذا حكياكا

وله في خادمه أيضًا:

ما يريد الناس من صبٍّ بمن يهوى كثيب

كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي

أعجز الناس الذي يلحى محبًّا في حبيب

وله لما يئس من الملك وعلا عليه طاهر:

يا نفس قد حق الحذر أين المفر من القدر؟

كل امرئ مما يخا ف ويرتجيه على خطر

من يرتشف صفو الزما ن يغصّ يومًا بالكدر

وأسند الصولي أن الأمين قال لكاتبه: اكتب من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين، سلام عليك. أما بعد؛ فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانًا لأخرج إلى أخي، فإن تفضل عليّ فأهلٌ لذلك،



ص -225- وإن قتلني فمروة كسرة مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن يفترسني السبع أحب إليّ من أن ينبحني الكلب فأبى طاهر عليه.
وأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال: كان أبي يكلم الأمين والمأمون بكلام يتفصحان به ويقول: كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصّحوا، وأنتم أولى بالفصاحة منهم.
قال الصولي: ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل، فسألوه عن الأمين وأدبه، فوصف الحسين أدبًا كثيرًا، قيل: فالفقه، قال: كان المأمون أفقه منه، قيل: فالحديث، قال: ما سمعت منه حديثًا إلا مرة؛ فإنه نعي إليه غلام له مات بمكة، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبيه، سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من مات محرمًا حشر ملبيًا".
قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان أبو العيناء يقول: لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلقت إلا بخليفة أو ولي عهد؛ فإن المنصور جدها، والسفاح أخو جدها، والمهديّ عمها، والرشيد زوجها، والأمين ابنها، والمأمون والمعتصم ابنا زوجها، والواثق والمتوكل ابنا ابن زوجها، وأما ولاة العهد فكثير.
ونظيرتها من بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية: يزيد أبوها، ومعاوية جدها، ومعاوية بن يزيد أخوها، ومروان بن الحكم حموها، وعبد الملك زوجها، ويزيد ابنها، والوليد بن يزيد ابن ابنها، والوليد وهشام وسليمان بنو زوجها، ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد بن عبد الملك ابنا ابن زوجها.

المأمون عبد الله أبو العباس1
المأمون: عبد الله أبو العباس بن الرشيد؛ ولد سنة سبعين ومائة في ليلة لجمعة منتصف ربيع الأول، وهي الليلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه، وأمه أم ولد اسمها مراجل ماتت في نفاسها به، وقرأ العلم في صغره.
سمع الحديث من أبيه، وهشيم، وعباد بن العوام، ويوسف بن عطية، وأبي معاوية الضرير، وإسماعيل بن علية، وحجاج الأعور، وطبقتهم.
وأدبه اليزيدي، وجمع الفقهاء من الآفاق، وبرع في الفقه، والعربية، وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهرَ فيها؛ فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن.
روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، والأمير عبد الله بن طاهر، وأحمد بن الحارث الشيعي، ودعبل الخزاعي، وآخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 198هـ وحتى 218هـ.



ui] fkd hgufhs fhguvhr * 3



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1ReZBRa
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق