Menu

الثلاثاء، 31 مايو 2016

معجزات الأنبياء

معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم

ص -129- بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين. قال شيخ الإسلام تقي الدّين بن تيميّة - رحمه الله:
فصل((في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم)) ((كما سماها الله آيات وبراهين))
...[فإنّ لهم1 طرقاً]2 في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها.
طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها
أمّا الأول: فإنّ [منهم]3 من رأى [أنّ]4 [كلّ ما]5 يخرج عن الأمر المعتاد، فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة.
وقد علموا أنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول، فيلزم أن يكون كلّ من خُرِقت له العادة نبيّاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قول المعتزلة وغيرهم: إن العادة لا تنخرق إلا لنبي
[فقالت]6 طائفة7: لا تخرق العادة إلا لنبي. وكذبوا بما يذكر من
1 أي للنظّار؛ كما هو مثبتٌ في ((م))، و ((ط)).
2 في ((م)) : وللنظّار طرقٌ. وفي ((ط)): للنظّار طرق - بإسقاط الواو.
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
5 في ((خ)): كلما - موصولة.
6 في ((ط)) فقط: قالت.
7 وهم أكثر المعتزلة؛ كما سيأتي قول شيخ الإسلام رحمه الله في ذلك.
وهم يقولون إنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء.
يقول القاضي عبد الجبار:"إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل. ولا تنخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث".
انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد، لعبد الجبار 15/189.



ص -130- خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.
وهذه طريقة أكثر المعتزلة1، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم2، وغيره3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال رئيسهم واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. وقيل لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أنّ الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر. والأول أرجح. ولهم أصول خمسة اشتهروا بها، هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص20، 114. والملل والنحل للشهرستاني1/43. وخطط المقريزي 2/345. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص 49.
2 هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسيّ الأصل، الأموي مولاهم، القرطبي الظاهري. قال عنه الذهبي: "الإمام الأوحد، البحر ذو الفنون والمعارف، أبو محمد". ولد بقرطبة في سنة 384 ه، وتوفي سنة 456 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 18/184. وشذرات الذهب لابن العماد 3/299.
ولأبي محمد بن حزم قول في أنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء.
يقول: "... وأنّ المعجزات لا يأتي بها أحدٌ إلا الأنبياء عليهم السلام. قال عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [غافر، 78]..." المحلّى لابن حزم 1/36. وانظر: الفصل له 5/2-4، 8. والدر فيما يحب اعتقاده، له ص 192.
3 مثل أبي عبد الله الحليمي. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص 370. ولوامع الأنوار للسفاريني 2/394.
وقال الإيجي في ((المواقف)) عن الكرامات: "وهي جائزة عندنا خلافاً للأستاذ أبي إسحاق، والحليمي منّا، وغير أبي الحسين من المعتزلة".
وأبو إسحاق الاستراباذي من أصحاب الشافعي. انظر: تفسير القرطبي 7/32.



ص -131- من اشتهر عنهم إنكار المعجزات
بل يُحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني1، وأبي محمد بن أبي زيد2. ولكن كأنّ في الحكاية عنهما غلطاً3

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني. الأصوليّ، الشافعيّ، الملقب: ركن الدين. من مصنفاته: جامع الخلي في أصول الدين، والرد على الملحدين في خمس مجلدات. توفي سنة 418 ? بنيسابور.
انظر: سير أعلام النبلاء 17/353. وشذرات الذهب 3/209. وطبقات الشافعيّة 4/256.
أمّا عن إنكاره لكرامات الأولياء؛ فقد ذكر الجويني في الإرشاد ص 319 أنه أنكر الكرامات. وذكر ذلك الذهبي عنه في السير، فقال: (وحكى أبو القاسم القشيري عنه أنّه كان يُنكر كرامات الأولياء، ولا يُجوّزها. وهذه زلة كبيرة). سير أعلام النبلاء 17/353.
وقال السبكي عنه: "ويزداد تعجبي عند نسبة إنكارها إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني، وهو من أساطين أهل السنة والجماعة، على أن نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذب عليه. والذي ذكره الرجل في مصنفاته أن الكرامات لا تبلغ مبلغ خرق العادة". طبقات الشافعية للسبكي 2/315.
وكذلك ابن خلدون في مقدمته اعتذر لأبي إسحاق الاسفراييني بأن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً. مقدمة ابن خلدون 1/402.
2 هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي. ويُقال له: مالك الصغير. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، القدوة، الفقيه، عالم أهل المغرب... وكان رحمه الله على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأوّل". توفي سنة 386 ه.
انظر: سير أعلام النبلاء 17/10. وشذرات الذهب 3/131.
3 وقد اعتذر الباقلاني قبل شيخ الإسلام لابن أبي زيد القيرواني، وكأنّه استبعد صدور ذلك عنه. انظر: البيان للباقلاني ص 5.
وممّن أنكرها: أبو منصور الماتريدي.
انظر كتاب السحر بين الحقيقة والخيال لناصر بن محمد الحمد ص 38.
وقد أوضح د/ محمد باكريم با عبد الله موقف ابن أبي زيد القيرواني من الكرامات، ولخّص المسألة، فقال: "ونخلص من ذلك إلى احتمالين :
الأول: أنّ ابن أبي زيد لم ينكر الكرامات الثابتة للصالحين، وإنّما أنكر ما يدّعيه أهل البدع من وقوع خوارق العادات، واعتبارها كرامات لهم؛ فلم يفهم كثيرٌ مقصودَه، ونسب إليه القول بإنكار الكرامات. وهذا الرأي يميل إليه الباقلاني، والقاضي عياض، وابن تيمية.
الثاني: أنه وقع منه ذلك لأسباب، منها: داعي المناظرة والجدل والإلزام، لكنه رجع عن ذلك. وهذا ما ذهب إليه الطلمنكي.
وعلى كلا الاحتمالين، فلا يعتبر منكراً لكرامات الأولياء؛ لأنّه إما لم يكن وقع منه أصلاً، أو يكون قد وقع منه، ورجع عنه. والله أعلم).
انظر تعليق الدكتور محمد باكريم با عبد الله على رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص 228. وانظر مزيداً حول هذه المسألة: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض : 6/218، وكتاب الاستغاثة هامش: 1/46، تحقيق : عبد الله بن دجين السهلي، وقسم الدراسة من الجامع لابن أبي زيد القيراوني: ص 49-50.



ص -132- وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين1.
وهؤلاء يقولون [إن]2 ما جرى لمريم3، وعند مولد الرسول4[صلى الله عليه وسلم ]؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جنس المعجزات وجنس خوارق الكهان والسحرة.
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
3 لقد أكرم الله تعالى مريم بكرامات كثيرة، منها :
1- إكرامها بالرزق؛ قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً} [آل عمران 37]
2- حملها بعيسى عليه السلام بواسطة نفخ الملك، بدون أن يمسها بشر؛ قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء 91].
3- تبرئة ابنها لها، وكلامه في المهد؛ قال تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم 29-30 وما بعدها].
4 فمما جرى عند مولده صلى الله عليه وسلم، ما أخرجه قوام السنة في دلائل النبوة، عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه ، قال: قيل: يا رسول الله ! ما كان بُدؤ أمرك؟ قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام". دلائل النبوة 1/239، وقد حسّنه محقق الكتاب مساعد الراشد.
وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/262، وصححه الألباني. انظر الصحيحة رقم 1546.



ص -133- فهو إرهاصٌ1؛ أي توطئةٌ، وإعلامٌ بمجيء الرسول، فما خُرقت في الحقيقة إلاّ لنبيّ.
الرد على من أنكر الكرامات
فيُقال لهم: وهكذا الأولياء، إنّما خُرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أنّ ما تقدّمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخّر عنه.
وهؤلاء2 يستثنون ما يكون أمام الساعة.
لكن هؤلاء كذّبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء.
الرد على من أنكر الكرامات
والمنازع لهم يقول: هي موجودةٌ مشهودةٌ لمن شهدها، متواترةٌ عند كثير من الناس، أعظم ممّا تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء. وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذّبون بما شهدوه، ويصدّقون بما غاب عنهم، ويكذّبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره ؟!
قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها
وقالت طائفة3: بل كل هذا حقٌ، وخرق العادة جائزٌ مطلقاً، وكلّ ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإرهاص لغة مشتقة من الرِّهص - بالكسر ؛ وهو العرق الأسفل من الحائط.
والإرهاص هو المقدّمة للشيء، والإيذان به.
والإرهاص اصطلاحاً: ما يصدر من النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من أمرٍ خارق للعادة تمهيداً لها.
انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص 801. وكتاب التعريفات للجرجاني ص 31. ولسان العرب لابن منظور 7/44.
2 أي المعتزلة، ومن وافقهم.
3 وهم الأشاعرة. انظر مقولتهم في: البيان للباقلاني ص 47-48، 90، 94-95، 105-106. والإرشاد للجويني ص 317، 319، 322، 326، 328. وأصول الدين للبغدادي ص 175، 185. والمواقف للإيجي ص 346. وشرح المقاصد للتفتازاني 5/73، 75. وانظر: الجواب الصحيح 6/400.



ص -134- خُرق لنبيّ من العادات يجوز أن يُخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة والكهان.
لكن الفرق أنّ هذه تقترن بها [دعوى]1 النبوّة؛ وهو التحدّي2.
من أصول الأشاعرة
وقد يقولون: إنّه لا يمكن أحداً أن يعارضها، بخلاف تلك. وهذا قول من اتّبع جهماً3 على أصله في أفعال الرب من الجهمية4، وغيرهم؛ حيث جوّزوا أن
يفعل كلّ ممكن5؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقاً على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)) : دعوة. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 انظر: البيان للباقلاني ص 48.
3 هو الجهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبو محرز السمرقندي. رأس الفرقة الجهمية. قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان سنة ثمان وعشرين ومائة. كان يقول: إنّ العباد مجبورون على أفعالهم، وإنّ الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وإنّ الجنّة والنار تفنيان وتبيدان، وإنّ القرآن مخلوق. وكان يُنكر صفات الله عزّ وجلّ وأسماءه، ويقول: إنّ الله في الأمكنة كلها. تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
انظر: الفرق بين الفرق ص 211. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص 34. وسير أعلام النبلاء 6/26. والبداية والنهاية 9/364. والخطط للمقريزي 2/349.
4 هي فرقة تنتسب للجهم بن صفوان الراسبي. وقد تبعته في معتقداته كلها. لاحظ التعليقة السابقة.
5 وهذا قول من يُنكر حكمة الله، والأسباب التي جعلها الله سبباً لحصول بعض الأشياء. ولا فعلَ للعبد عندهم، والله هو الفاعل. وهذا هو قول الأشاعرة.
انظر: الإرشاد للجويني ص 319، 322، 326. وأصول الدين للبغدادي ص 138، 172، 176. والملل والنحل للشهرستاني 1/97. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية 3/13، 112.
وسيأتي توضيح لهذا الأصل عند الأشعري. وانظر شرح الأصفهانية 2/617.



ص -135- يد كلّ أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادّعى النبوة وهو كاذب، لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون]1 دليلاً على صدقه لما يقترن بها [من ما]2 يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم3.
الرد على الأشاعرة
فقيل لهم:لِمَ أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئاً؟ فقالوا: لأنّ المعجزةَ علمُ الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق4. [فقلنا: المجموع]5 هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع السلامة عن المعارض.
فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إمّا لأنّه يُفضي منع ذلك إلى عجزه؛ وإمّا لأنّه علم دلالته على الصدق بالضرورة.
فقيل لهم: إنّما يلزم العجز، [أن]6 لو كان التصديق على قولكم ممكناً. وكون دلالتها معلومةٌ بالضرورة؛ هو مُسَلّم، لكنّه يُناقض أصولكم، ويُوجب أن يكون أحد الشيئين معلوماً بالضرورة، دون نظيره. وهذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): يكون.
2 في ((م))، و ((ط)): مما.
3 انظر: البيان للباقلاني ص 94-95.
4 انظر: البيان للباقلاني ص 37-38. والجواب الصحيح 6/399.
5 في ((م)) و ((ط)): فالمجموع - بإسقاط: فقلنا. وزيادة الفاء .
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((م))، و ((ط)).



ص -136- ممتنع؛ فإنّكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدّعي النبوة، والساحر، والصالح. لكن إن ادّعى النبوّة، دلّت على صدقه، وإن لم يدّع النبوّة، لم يدل على شيء1، مع أنّه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدّعي النبوّة، وغير مدّعي النبوة، بل كلاهما جائز فيه.
فإذا كان هذا مثل هذا: [لِمَ]2 كان أحدهما دليلاً دون الآخر ؟ ولِمَ اقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر ؟ ومن أين علمتم أنّ الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلاّ على يد صادق، وأنتم تجوّزون على أصلكم كلّ فعل مقدور3، وخلقها على يد الكذاب مقدور ؟!.
الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقاً
ثمّ هؤلاء4 جوّزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها5 وجنس كرامات الأنبياء فرقٌ، بل صرّح أئمتهم6 [أنّ كلّ ما]7 خُرق لنبيّ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: البيان للباقلاني ص 90.
2 في ((م))، و ((ط)): فلِمَ.
3 من أصول الأشاعرة: لا فاعل إلا الله، وليس للإنسان إلا الكسب الذي هو - عندهم - مقارنة القدرة والإرادة للفعل، من غير أن يكون هناك من العبد تأثير، أو مدخل في وجوده، سوى كونه محلاً له.
وقد تقدّم نقل هذا عنهم فيما مضى. وانظر: الإرشاد للجويني ص 319، 322، 328. وشرح المواقف للجرجاني ص 237. وانظر: الجواب الصحيح 6/394-400.
4 أي الأشاعرة.
5 أي معجزات الرسل.
6 انظر: أصول الدين للبغدادي ص 174، 175. والإرشاد للجويني ص 317. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص 370. وشرح المقاصد للتفتازاني 5/73، 74. وشرح الفقه الأكبر للقاري ص 79.
7 في ((خ)) : كما. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -137- يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد1، وفرق البحر لموسى2، وناقة صالح3، وغير ذلك.
ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقاً معقولاً، بل قد يجوّزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك4. لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر والفجور.
طريقة الفلاسفة في المعجزات
وحذّاق5 الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب6؛ مثل ابن سينا7،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعراج: الطريق الذي تصعد فيه الملائكة. انظر: تهذيب اللغة 1/355.
وهو بمنزلة السلم، لكن لا نعلم كيف هو. وحكمه كحكم غيره من المغيّبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيّته. انظر شرح الطحاوية ص 270.
وحديث الإسراء والمعراج مخرّج في الصحيحين.
أخرجه البخاري في صحيحه 3/63-65، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج. ومسلم في صحيحه 1/145-147، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات.
2 قال تعالى:{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء 63].
3 قال تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء 155].
4 انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 5/2. ونسب هذا القول للباقلاني.
وانظر: البيان للباقلاني ص 94-95. والإرشاد للجويني ص 327-328.
5 الحذق، والحذاقة: المهارة في كلّ العمل. انظر تهذيب اللغة 4/35.
6 في النبوات.
7 هو الحسين بن عبد الله بن سيناء، أبو علي. الملقّب بالرئيس، الحكيم. قال عنه ابن حجر: "ما أعلمه روى شيئاً من العلم، ولو روى لما حلّت الرواية عنه؛ لأنّه فلسفيّ النحلة، ضالّ. لا رضي الله عنه.
كان يقول بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني. ونُقل عنه أنّه قال: إنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كليّ. من مصنفاته: الشفا، والنجاة، والإشارات والتنبيهات. مات سنة 428 ?.
انظر: لسان الميزان لابن حجر 2/291. والأعلام للزركلي 2/241. ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 4/20.
وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء - يعني القرامطة والباطنية والإسماعيلية - وأبوه وجده من أهل دعوتهم، وبسبب ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة؛ فإن هؤلاء يتظاهرون باتباع الملل، ويدعون أن للملة باطناً يُناقض ظاهرها". كتاب ((الصفدية)) 1/3-4. وانظر: شرح الأصفهانية 2/634. والرد على المنطقيين ص 141-144، 279، 281، 396. ومجموع الفتاوى 35/186.



ص -138- [و]1 هو أفضل طائفتهم، [وهو]2 أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كلّه من قوى النفس، لكنّ الفرق أنّ النبيّ والصالح نفسُه طاهرةٌ يقصد الخير، والساحر نفسُه خبيثةٌ.
وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذّرٌ على قول هؤلاء.
الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة
ومن الناس3 من فرّق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ مثل قولهم: الكرامة يُخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يُتحدّى بها. ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي4 المشي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
2 في ((م))، و ((ط)): ولكنه.
3 وهم الأشاعرة.
انظر: أصول الدين للبغدادي ص 174. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص370. وشرح المقاصد للتفتازاني 5/74. وطبقات الشافعية للسبكي2/317. واليواقيت والجواهر لعبد الوهاب الشعراني 1/161.
4 هو العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي. من سادة المهاجرين. ولاّه رسول الله صلى الله عليه وسلم البحرين. ثمّ وليها لأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: رأيت من العلاء ثلاثة أشياء، لا أزال أحبه أبداً: قطع البحر على فرسه يوم دارين. وقدم يريد البحرين، فدعا الله بالدهناء، فنبع لهم ماء، فارتووا. ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد، فلقيه ولم يجد الماء، ومات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا سحابة، فمطرنا، فغسلناه، وحفرنا له بسيوفنا، ولم نلحد له.
انظر: سير أعلام النبلاء 1/262. والبداية والنهاية 6/162-163.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه: "والعلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه - كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له. ودعا الله بأن يسقوا ويتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء، فابتلت سرج خيولهم. ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 311.
وانظر: حلية الأولياء لأبي نعيم 1/7. وصفوة الصفوة لابن الجوزي 1/694.
وذكر ابن كثير أنه توفي سنة أربع عشرة. البداية والنهاية 7/123.



ص -139- على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية1 على المنبر2، وإظهار أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو سارية بن زنيم بن عمرو الكناني. قال ابن عساكر: له صحبة. كان في الجاهلية كثير الغارات، يسبق الفرس عدواً على رجليه، ولما ظهر الإسلام أسلم. قال الواقدي: أمّره عمر على جيش، وسيّره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، وفتح بلاداً منها أصبهان. توفي سنة 30 ?.
انظر: الإصابة لابن حجر 4/96. والأعلام للرزكلي 3/69.
2 وذلك لما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب على المنبر في المدينة، وسارية ابن زنيم يُجاهد في العراق، فتذكّر عمر سارية، فنادى: يا سارية الجبل. يقول سارية: سمعت صوت عمر، فصعدتُ الجبل.
أورده ابن كثير في البداية والنهاية 7/135، وقال: إسناده جيد حسن.
وكذلك حسّن أسانيده الحافظ ابن حجر في الإصابة 4/98.



ص -140- مسلم1 لما أُلقي في النار أنّها صارت عليه برداً وسلاماً. وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين، فإنّه قد يُطفئها، إلاّ أنّها لا تصير عليه برداً وسلاماً. وإطفاء النار مقدورٌ للإنس والجنّ.
ومنها: ما يتحدّى بها صاحبها أنّ دين الإسلام حقّ؛ كما فعل خالد ابن الوليد لما شرب السُّمَّ2؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو عبد الله بن ثوب الخولاني، من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنّه رسول الله، فقال له: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال: لا أسمع، أشهد أنّ محمداً رسول الله. فأجّج له ناراً، وألقاه فيها، فلم تضرّه وأنجاه الله منها. فكان يُشبّه بإبراهيم الخليل. ثمّ هاجر، فوجد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقدم على الصديق أبي بكر رضي الله عنه، فأجلسه بينه وبين عمر، وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فُعل له كما فعل بإبراهيم الخليل عليه السلام.
توفي أبو مسلم الخولاني سنة 60 ?.
وقد ذكر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدداً من الكرامات؛ منها: أنه مشى هو ومن معه في المعسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب في مدّها. ووضعت له جارية السمّ في طعامه، فلم يضرّه. وخبّبت امرأةٌ عليه زوجتَه، فدعا عليها، فعميت، فجاءت وتابت، فدعا لها، فردّ الله عليها بصرها.
انظر: مجموع الفتاوى 11/279. وانظر: حلية الأولياء 2/122، 131. وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص 322. وسير أعلام النبلاء 4/7. والبداية والنهاية لابن كثير 8/149. والتقريب لابن حجر 2/473، وفيه ذكر أن اسمه عبد الله بن ثوب.
2 وذلك لمّا نزل الحيرة - بالعراق ، وأراد الأعاجم أن يُسقوه السمّ، فأخذه بيده، ثمّ اقتحمه، وقال: بسم الله، وشرب، فلم يضرّه شيئاً.
الخبر أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 4/123-124. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 9/350 أنّ أبا يعلى أخرجه، والطبراني في المعجم الكبير بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح، ورجال الآخر ثقات. وذكر كذلك أنّ رجال إسناد أبي يعلى ثقات. وانظر: مجموع الفتاوى 11/277-278.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله عند محاصرة خالد بن الوليد للحيرة، أن خالداً أخذ السم من ابن بقيلة - من نصارى العرب ، ثم قال: لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضرّ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم. قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه، فبادرهم فابتلعه. فلما رأى ذلك ابن بقيلة، قال: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد. ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالاً من هذا. ثم دعاهم، وسألوا خالداً الصلح فصالحهم. البداية والنهاية 6/351. وانظر: طبقات الشافعية للسبكي 2/333.
وقد خالفه الصحابة في ذلك.
ويكفي خالداً كرامة أن جعله الله عزاً للإسلام وأهله، وذلاً للكفر، وشتاتاً لشمله.. وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف الله، وقال الصديق - رضي الله عنه - في حقه: (يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد فغلبه على خراديله، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد). البداية والنهاية 6/351.



ص -141- وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربّه، وكان قبل ذلك قد خُرِقت له العادة فلم يتمكّنوا من قتله1. ومثل هذا كثير.
مراتب الخوارق
فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثمّ كرامات الصالحين، ثمّ خوارق الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلاّل من المسلمين.
الكرامات سببها اتباع الأنبياء
أمّا الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنّهم يقولون: نحن إنّما حصل لنا هذا باتّباع الأنبياء، ولو لم نتّبعهم لم يحصل لنا هذا.
فهؤلاء إذا قُدّر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما صارت النار برداً وسلاماً على أبي مسلم2، كما صارت على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وخبر الغلام طويلٌ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 4/2299-2301، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام.
2 الخولاني. تقدّمت قصته قريباً ص 159.



ص -142- إبراهيم1؛ وكما يكثّر الله الطعام والشراب لكثيرٍ من الصّالحين2؛ كما جرى في بعض المواطن للنبيّ 3، أو إحياء الله ميتاً لبعض الصالحين4 كما أحياه للأنبياء5.
كرامات الأولياء معجزات للأنبياء
فهذه الأمور6 هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضاً من معجزاتهم بمنزلة ما تقدّمهم من الإرهاص.
ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قطّ إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}. [الأنبياء 69].
2 مثل قصة أبي بكر مع أضيافه، في تكثير الطعام. انظر صحيح البخاري 6/436.
3 انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري 4/234.
وقد عقد القاضي عياض في كتابه الشفا 1/410 فصلاً: من معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام ببركته ودعائه.
4 من ذلك إحياء الله تعالى لصلة بن أشيم العدوي فرسَه بعد أن ماتت وهو في الغزو، فأحياها الله له، ووصل إلى أهله، وقال لابنه: ألق السرج عن الفرس فإنّها عارية، فلمّا ألقى السرج عنها، سقطت ميتة.
انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم 2/239. وطبقات الشافعية للسبكي 2/320. وسير أعلام النبلاء للذهبي 3/499، وقال الذهبي عن هذه القصة: وهذه كرامة ثابتة. وانظر: مجموع الفتاوى 11/280.
5 مثل عيسى عليه السلام. قال الله تعالى عنه: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ}[آل عمران 49].
وكذلك عزير عليه السلام الذي أماته الله وحماره مائة عام، ثمّ بعثهما. قال الله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة 259].
وانظر كتاب الشفا للقاضي عياض1/444، حيث عقد فصلاً في: إحياء الموتى، وكلامهم.
6 يقصد كرامات الأولياء.



ص -143- درجاتهم، ولكن قد يُشاركونهم في بعضها، كما قد يُشاركونهم في بعض أعمالهم.
كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين
وكرامات الصالحين [تدلّ]1 على صحة الدّين الذي جاء به الرسول، لا تدلّ على أنّ الولي معصومٌ، ولا على أنّه يجب طاعته في كلّ ما يقوله2.
ومن هنا ضلّ كثيرٌ من النّاس من النّصارى وغيرهم3؛ فإنّ الحواريّين4، وغيرهم كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنّوا أنّ ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يُوجبون موافقتهم في كلّ ما يقولون.
النبي صارت طاعته واجبة بأمور
وهذا غلطٌ؛ فإنّ النبيّ وجب قبول كلّ ما يقول لكونه نبيّاً [ادّعى]5 النّبوّة، ودلّت المعجزة على صدقه، والنبيّ معصومٌ. وهنا المعجزة6 ما دلّت على النبوة بل على متابعة النبيّ وصحّة دين النبيّ، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوماً. من أسباب تأليف الكتاب
ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): يدلّ. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 144. والجواب الصحيح 2/338؛ فقد فصّل شيخ الإسلام رحمه الله في هذين الموضعين تفصيلاً طيّباً.
3 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أصناف الناس بالنسبة لمواقفهم ممن يجري على أيديهم بعض الأمور الخارقة في ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) ص 147.
4 الحواريّون هم أصحاب عيسى عليه السلام وخاصّته الذين اختارهم ليكونوا تلامذته؛ حيث بادروا إلى الإيمان به، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلاً.
انظر: الجواب الصحيح 2/398-400 ،، 4/17.
5 في ((خ)) رسمت ادعاء. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
6 يقصد الكرامة.



ص -144- الفرق بين الحقّ والباطل، وبين ما يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ كمدّعي النبوّة، و[بين]1 ما لا يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ فإنّ الدليلَ لا يكون دليلاً حتى يكون مستلزماً للمدلول؛ متى وُجِدَ وُجِدَ المدلول، وإلاّ فإذا وُجِدَ تارةً مع وجود المدلول، وتارةً مع عدمه [فليس بدليل]2.
فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد]3 إلاّ مع النبوّة، ولا توجد مع ما يناقض النبوة.
ومدّعي النبوّة إمّا صادق، وإمّا كاذب.
والكذب يُناقض النبوة، فلا يجوز أن يُوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد معها. وليس هنا شيءٌ مخالفٌ لها؛ [لا موافقٌ]4، ولا مناقضٌ؛ فإنّ الكفر، والسحر، والكهانة، كلّ هذا يناقض النبوّة، لا يجتمع هو [و]5 النبوة.
والنّاس رجلان: رجلٌ موافقٌ لهم، ورجلٌ مخالفٌ لهم.
فالمخالف مناقض.
الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم
وإذا كان كذلك، فيُقال: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن مقدور جنس الحيوان.
وأمّا خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكُهّان؛ فإنّها من جنس أفعال الحيوان؛ من الإنس، وغيره من الحيوان، والجنّ؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمرٌ مقدورٌ، معروفٌ للنّاس بالسّحر، وغير السّحر؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)) يوجد. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((م))، و ((ط)).
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.



ص -145- وكذلك ركوب المكنسة1، أو الخابية2، أو غير ذلك؛ حتّى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعلٌ مقدورٌ للحيوان؛ فإنّ الطير [يفعل]3 ذلك، والجنّ تفعل ذلك. وقد أخبر الله أنّ العفريت قال لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ}4؛ وهذا تصرّف في أعراض5 الحيّ؛ فإنّ الموت، والمرض، والحركة أعراضٌ، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختصّ الربّ بالقدرة عليه، ولا ما يختصّ به الملائكة.
وكذلك إحضار ما يُحضر من طعامٍ، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. [و]6 هذا [إنّما هو]7 نقل مالٍ من مكانٍ إلى مكانٍ. وهذا تفعله الإنس والجنّ، لكن الجنّ تفعله، والنّاس لا يُبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيراً، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها8. فهذا لا يقدر عليه إنسيّ ولا جنّي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المكنسة - بكسر الميم - ما يُكنس به. والكُناسة - بالضمّ - ما يُكنس؛ وهي الزبالة. انظر: المصباح المنير ص 542.
2 الخابية: وعاء الماء الذي يحفظ فيه. وجمعه خوابي. المعجم الوسيط 1/13.
3 في ((م))، و ((ط)) تفعل.
4 سورة النمل، الآية 39.
5 العَرَض في اللغة: ما يعرض للإنسان من مرض، وموت، ونحو ذلك.
انظر: الصحاح للجوهري 3/1038. والمعجم الوسيط ص 594.
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
7 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
8 مثل ما حدث في غزوة الحديبية؛ حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في الإناء، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما - وهو راوي الحديث : "فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال فشربنا. قال الراوي: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ، قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة".
أخرجه البخاري في صحيحه 4/1526، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية.
وقد ذكر أنس بن مالك - رضي الله عنه - قصة أخرى في نبع الماء من بين أصابع نبيّنا صلى الله عليه وسلم. فعنه - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء، فأُتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضؤون، فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين، قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.
صحيح مسلم 4/1783، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.



ص -146- أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم
وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار. فهذا تفعله الجن / كثيراً مع الكُهّان1، وهو معتادٌ لهم، مقدورٌ، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، وما يدّخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين2.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مثل حال ابن صياد، لمّا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّي خبّأتُ لك خبيئاً" فقال: هو الدّخّ. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اخسأ، فلن تعدو قدرك".
الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه4/2240، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صيّاد.
2 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء..". الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 3/1598، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج، فإنّ الشيطان لا يحلّ سقاءً، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناءً...". الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 10/77، والإمام مسلم في صحيحه 3/1594، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها..



ص -147- وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمّون الله1.
وأيضاً: فخبر المسيح2، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بُدّ لهم من الكذب. والربُّ قد أخبر في القرآن أنّ الشياطين [تنزل]3 على بعض الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفَرْقَ، فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}4.
الحكمة من مسرى النبي صلى الله عليه وسلم
وكذلك مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه الربّ من آياته5. فخاصّة الرسول ليست مجرّد قطع هذه المسافة، بل قطعها ليريه الربّ من الآيات الغائبة ما يُخبر به. فهذا لا يقدر عليه الجنّ، وهو نفسه لم يحتجّ بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ليؤمنوا به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال الله تعالى في شأنهم: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [ البقرة، 133].
وأما عن تسميتهم الله، فقد قال الله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ.} [المائدة، 5].
ومعلوم أنّهم لو لم يكونوا يُسمّون الله تعالى عند الذبح، لم يكن طعامهم حلاً لنا؛ لأنّ الله تعالى يقول:{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام، 121].
2 وهو إخباره عليه السلام عمّا يأكل بنو إسرائيل وما يدّخرون في بيوتهم.
قال تعالى عن معجزات عيسى عليه السلام: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران الآية، 49].
3 في ((خ)): ينزل. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 سورة الشعراء، الآيات 221-223.
5 قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. [الإسراء، 1].



ص -148- والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلاّ فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة المَلْعُونَةَ فِيْ القُرْآن}1.
قال ابن عباس [رضي الله عنه]2: هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به3. وهذا كما قال في الآية: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى}4.
وكذلك ما يُخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً}5. فهذا غيب الربّ الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق، فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الله.
الفرق بين خبر الرسول وخبر الجنّ
والجنّ غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء6، مع ما في الجنّ من الكذب، فلا بُدّ لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ممّا يُعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء، الآية 60.
2 ما بين المعقوفتين من ((ط))، وليس في ((خ))، و ((م)).
3 انظر: صحيح البخاري 4/1748.
4 سورة النجم، الآيات 13-18.
5 سورة الجن، الآيتان 26-27.
6 قال تعالى يحكي عن الجنّ: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} [الجن، 9].



ص -149- وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلاً؛ مثل إخباره: "إنكم تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذُلْفُ الآنُفِ1، ينتعلون الشعر، كأنّ وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَة2"3، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى4"5، ونحو ذلك. فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسيّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الذَّلَف بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه. وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته. والذُّلْف بسكون اللام: جمع أذلف؛ كأحمُر، وحمر. والآنُف: جمع قلة للأنف، وضع موضع جمع الكثرة، ويحتمل أنّه قللها لصغرها.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/165.
2 وهي التروس التي يُطرق بعضها على بعض. انظر الصحاح للجوهري 4/1516).
والمراد: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتلوّن وجناتها بالترسة المطرقة.
3 الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 3/1070. ومسلم في صحيحه 4/2233، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكانه من البلاء. والإمام أحمد في المسند ح 7262 - تحقيق أحمد شاكر.
4 بُصرى - بضمّ الباء - آخرها مقصور: مدينة بالشام، ويُقال لها حوران.
انظر معجم البلدان لياقوت الحموي 1/441.
وهي اليوم مدينة من مدن الجمهورية السورية، في شرقها.
5 الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 6/2605. ومسلم في صحيحه 4/2227-2228، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.
وهذا الغيب الذي أخبر عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم قد وقع - كما ذكر المؤرخون - سنة أربع وخمسين وستمائة. وقد أخبر غير واحد أنّه لمّا ظهرت النار في بعض أودية المدينة النبوية، واستمرت شهراً، وكان الناس يسيرون على ضوئها بالليل إلى تيماء - قرب تبوك - شاهد من كان بحاضرة بلد بُصرى أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز. انظر: الفتن والملاحم - النهاية - لابن كثير 1/18-19.



ص -150- والمقصود أنّ ما يُخبر به غير النبي من الغيب معتادٌ، معروفٌ نظيره من الجن والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: {فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}1.
والآيات الخارقة جنسان: جنسٌ في نوع العلم، وجنسٌ في نوع القدرة2.
أقسام الخوارق
فما اختصّ به النبيّ من العلم خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ، وما اختصّ به من المقدورات خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ.
خوارق الجنّ
وقدرة الجنّ في هذا الباب3 كقدرة الإنس؛ لأنّ الجن هم من جملة من دعاه الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الجن، الآيتان 26-27.
2 ولشيخ الإسلام رحمه الله زيادة إيضاح لهذا الموضوع، حيث قال: (الخوارق منها ما
هو من جنس العلم؛ كالمكاشفات. ومنها ما هو من جنس القدرة والملك؛ كالتصرفات الخارقة للعادات. ومنها ما هو من جنس الغنى عن جنس ما يُعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال والغنى). ((مجموع الفتاوى)) 11/298-299.
وقال أيضاً: "فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة، أو بالدين فقط، أو بالكون فقط. ثمّ فصّل، واستدلّ لكلّ نوع". انظر: مجموع الفتاوى 11/323-324.
وانظر قاعدة في المعجزات ص 9. وانظر كتاب الصفدية 1/183، فإنه جعل الخوارق ثلاثة أقسام. وقد أفاض المؤلف رحمه الله في ذكر أقسام المعجزات بالتفصيل. انظر: الجواب الصحيح 6/80-296.
3 باب الخوارق.
4 سورة الأنعام، الآية 130.



ص -151- ومعلومٌ أنّ النبيّ إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بُدّ أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجنّ؛ فلا بُدّ أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجنّ.
وما يأتي به الكاهن من خبر [الجنّ]1 غايته أنّه سمعه الجني لمّا استرق السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون.
وما أعطاه اللهُ سليمانَ مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجنّ؛ كتسخير الرياح، والطير.
خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم
وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكةَ إلى الإيمان بهم، بل الملائكة [تنزل]2 بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم. فالخوارق التي [تكون]3 بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفّار، والسحرة، والكُهّان.
ولهذا أخبر الله تعالى أنّ الذي جاءه بالقرآن مَلَكٌ لا شيطان؛ فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ العَرْشِ مَكِين * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين * وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}4، وقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين ? عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين}5، وقال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدُسِ منْ رَبِّكَ بِالحَقِّ}6، وقال: {قل مَنْ كَانَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 في ((خ)): ينزل. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)): يكون. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 سورة التكوير، الآيات 19-25.
5 سورة الشعراء، الآيتان 193-194.
6 سورة النحل، الآية 102.



ص -152- عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ}1، وقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}2.
الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم
فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبي، وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي.
فالفرق حاصلٌ في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبيّنه، ويُيسّره.
ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البيّنات. وكيف [يشبّه]3 خير الناس بشر الناس. ولهذا لما مثّلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}4.
وقد تنازع النّاس في الخوارق: هل تدلّ على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله5 ؟.
هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا ؟
والتحقيق: أنّ من كان مؤمناً بالأنبياء ،لم يستدلّ على الصلاح بمجرّد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة، الآية 97.
2 سورة الشعراء، الآيات 221-223.
3 في ((خ)): شبه. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 سورة الفرقان، الآية 9.
5 للاطلاع على خلافهم في ذلك، راجع: مجموع الفتاوى 11/214، 287. والجواب الصحيح 2/338. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 147-148. وقطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص 272.



ص -153- الخوارق التي قد تكون للكفار والفسّاق، وإنّما يُستدلّ بمتابعة الرجل للنبيّ؛ فيُميّز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيَّنَها اللهُ ورسوله؛ كقوله: {[أَلاَ]1 إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}2.
وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدّة مواضع؛ كقوله لمّا ذكر السّحرة: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}3، وقوله عن يوسف: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ? وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}4، وقوله في قصة صالح: {وَنَجَّيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}5وهذه طريقة الصحابة والسلف.
تنازع الناس في ولاية المعين على قولين
وأمّا دلالتها على ولاية المعيّن: فالناس متنازعون؛ هل الوليّ والمؤمن من مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمناً تقيّاً، وقد عُلم أنّه يموت كافراً، يكون في تلك الحال عدوّاً لله ؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة ؟. وهما قولان معروفان6.
فمن قال بالأول؛ فالوليّ عنده كالمؤمن [عند]7 من علم أنه يموت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)).
2 سورة يونس، الآيتان 62-63.
3 سورة البقرة، الآية 103.
4 سورة يوسف، الآيتان 56-57.
5 سورة فصلت، الآية 18.
6 انظر: مجموع الفتاوى 11/62، 65.
7 في ((خ)): عنده. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -154- على تلك الحال، والخوارق لا تدلّ على ذلك.
ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر1، وأبي يعلى2، وغيرهما: أنّها لا تدلّ3.
وأمّا من قال: الولاية تتبدّل؛ فالولاية هنا كالإيمان. وقد يُعلم أنّ الرجل مؤمنٌ في الباطن، تقيّ بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعضَ الناس على خاتمة غيره. فهذا لا يمتنع.
أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة
لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال4:
قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي. وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن المديني، وغيرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الباقلاني. هو أبو بكر محمد بن طيب بن محمد بن جعفر البصريّ. سبقت ترجمته.
2 هو القاضي أبو يعلى؛ محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الفراء، شيخ الحنابلة، وعالم العراق في زمانه. توفي سنة 458 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 18/89. وطبقات الحنابلة 2/193. والبداية والنهاية 12/101.
3 انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني ص 51. والتمهيد له ص 47-48. والإنصاف ص 69. ومقالات الإسلاميين للأشعري 1/350. وشرح المقاصد للتفتازاني ص 73، 75، 76.
4 انظر هذه الأقوال الثلاثة في : مجموع الفتاوى 11/518. ومنهاج السنة النبوية 3/496-497. وشرح الطحاوية ص 538. وغاية الأماني في الرد على النبهاني للآلوسي 1/187. وكذلك في المقدمة السالمة في خوف الخاتمة لملا علي القاري - مخطوط - رقم اللوحة 35، ضمن مجموع ابن سلطان رقم 1589.



ص -155- وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن1 كان [خبراً]2 صحيحاً؛ كمن شهد له النبيّ بالجنة فقط. وهذا قول كثيرٍ من أصحابنا، وغيرهم.
وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح3؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما.
وكان أبو ثور4 يشهد لأحمد بن حنبل بالجنّة.
وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يُوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار". قالوا: بماذا يا رسول الله ؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"5.
وفي الصحيحين: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". ومُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): وإن. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 في ((خ)): خيراً. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والأشبه أن يُشهد له بذلك. هذا في الأمر العام). انظر مجموع الفتاوى 11/65.
4 هو إبراهيم بن خالد. الإمام الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور. ولد في حدود سنة 170 ?. قال الإمام أحمد لمّا سُئل عنه: أعرفه بالسنّة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. توفي في صفر 240 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 12/72. والبداية والنهاية 10/322.
5 الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 3/416، 6/466، من حديث أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه. وسنده حسن كما ذكر محققا شرح الطحاوية ص 531.



ص -156- "هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض"1.
وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"2.
وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"3.
الثناء على رجل يعرف بأسباب
والتحقيق: أنّ هذا قد [ يُعلم ]4 بأسباب، وقد يغلب على الظن. ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم ؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية5: لمّا قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون6 في السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في صحيحه 1/460. ومسلم في صحيحه حديث 949.
2 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/4021. وقال الساعاتي: (وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: حديث عبد الله بن مسعود هذا صحيح، رجاله ثقات، وأورده الهيثمي، وقال: رواه (طب) ورجاله رجال الصحيح. وغفل عن عزوه للإمام أحمد). الفتح الرباني 19/219-220.
3 أخرجه مسلم في صحيحه، حديث 2642.
4 في ((خ)): يعمل. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 هي أم العلاء بنت الحارث بن ثابت الخزرجية. يُقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت. إحدى الصحابيات رضي الله عنها. انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 4/478.
6 هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي، أبو السائب. من سادة المهاجرين، وممن فازوا بوفاتهم في حياة نبيّهم صلى الله عليه وسلم، فصلى عليهم. وكان أول من دفن بالبقيع. انظر: حلية الأولياء 1/102. وسير أعلام النبلاء 1/153.



ص -157- أن قد أكرمك الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "[وما يدريك]1 أنّ الله قد أكرمه؟". قالت: لا والله، لا أدري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم". قالت: فوالله لا أزكي بعده أحداً أبداً. قالت: ثم رأيت لعثمان [رضي الله عنه]2 بعد في النوم عيناً تجري، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ذاك عمله"3.
وأما من لم يكن مقراً بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا يكون ولياً إلا إذا آمن بالرسل.
لكن قد [تدل]4 الخوارق على أنّ هؤلاء على الحقّ، دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع]5 المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيّد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم6 برداً وسلاماً؛ وكما شرب خالد السمّ7، وأمثال ذلك. فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء.
كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق
وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجّار؛ فيؤيّد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجنّ و[الشياطين]8، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)).
2 ما بين المعقوفتين يُوجد في ((ط)) فقط.
3 الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 2/954، 955.
4 في ((خ)) : يدلّ. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 في ((خ)) : تتنازع. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
6 الخولاني. تقدمت قصته قريباً، ص 159.
7 تقدمت قصة شرب خالد بن الوليد رضي الله عنه للسمّ قريباً، ص 159.
8 في ((خ)) : الشيطاطين. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -158- الإسلام؛ فيترجّحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوّات؛ كما يجري لكثيرٍ من المبتدعة، والفجّار، مع الكفّار؛ مثل ما يجري للأحمدية1، وغيرهم، مع عبّاد المشركين البخشيّة2 قدّام التتار3، كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب إلى الإسلام4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأحمدية، والرفاعية من طرق الصوفية. وتنسب إلى أحمد الرفاعي بن سلطان علي. ويُوصل أتباعه نسبه إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق، إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولد أحمد الرفاعي في قرية حسن بالقرب من أم عبيدة بالعراق سنة 512 ? ، وتوفي سنة 578، ودفن في قرية أم عبيدة.
انظر: البداية والنهاية لابن كثير 12/312. وسير أعلام النبلاء للذهبي 21/76. وطبقات الشافعية للسبكي 4/19. وشذرات الذهب لابن العماد 4/259. والفكر الصوفي لعبد الرحمن عبد الخالق ص 366.
وقد ناقش شيخ الإسلام - رحمه الله - هؤلاء الرفاعية وكشف حقيقة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم، وذلك في مناقشة علنية بحضور نائب السلطان وأهل دمشق. انظر مجموع الفتاوى 11/445، 476، 494.
2 ( بخش ) كلمة سنسكريتية، أصل الكلمة (بهشكو)، وهي تدلّ على كهنة بوذا. وهذا أحد معانيها. والكلمة بهذا المعنى ترادف الكلمة الصينيّة: (هو شانغ)، والتيبتية: (لاما)، والأويغورية: (تواين).
انظر: دائرة المعارف الإسلامية لمجموعة من المستشرقين 6/386.
وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله عن هؤلاء البخشية في كتاب الصفدية 1/191. ومنهاج السنة 3/446-447.
3 لعل المراد أنّ أحوال هؤلاء لا تظهر إلا عند التتار.
4 ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قصة لشيخ من الأحمدية: أنه كان مرة عند بعض أمراء التتار، وكان لهذا الأمير صنم يعبده، فقال الأمير لذاك الشيخ: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كلّ يوم، ويبقى أثر الأكل في الطعام. فأنكر الشيخ ذلك، فقال له الأمير: إن كان يأكل، فأنت تموت - يعني سيقتله لإنكاره ذلك. فقال له الشيخ: نعم. يقول ذاك الشيخ: فأقمت عنده إلى نصف النهار، ولم يظهر في الطعام أثر، فاستعظم ذلك التتري. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فقلت لهذا الشيخ: أنا أُبيّن لك سبب ذلك؛ التتريّ كافر مشرك، ولصنمه شيطان يُغويه بما يُظهره من الأثر في الطعام. وأنتَ كان معك من نور الإسلام ما أوجب انصراف الشيطان... فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بُلق؛ فيكم سواد وبياض).
((مجموع الفتاوى)) 11/447-448.
ونقل شيخ الإسلام رحمه الله عن شيخٍ من مشايخ الأحمدية قوله: أحوالنا تظهر عند التتار، لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله.
انظر مجموع الفتاوى 11/455.



ص -159- كلام الغزالي ينفع الفلسفي ويضر المسلم
وعند من هو أحق بالإسلام منهم لا تظهر خوارقهم، بل تظهر خوارق من هو أتمّ إيماناً منهم. وهذا يُشبه ردّ أهل البدع على الكفّار بما فيه بدعة؛ فإنّهم وإن ضلّوا من هذا الوجه، فهم خير من أولئك الكفار، لكن من أراد أن يسلك إلى الله على ما جاء به الرسول يضرّه هؤلاء، ومن كان [حائراً]1 نفعه هؤلاء. بل كلام أبي حامد2 ينفع المتفلسف ويصير أحسن؛ فإنّ المتفلسف يُسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة. وهذا [أردأ]3 من هذا، بخلاف ذاك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): جائراً.
2 هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسيّ الشافعيّ الغزالي. توفي سنة 505 ه.
قال عنه أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم، فما استطاع.
وقال عنه ابن الجوزي: صنّف أبو حامد الإحياء، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بُطلانها، وتكلّم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه.
انظر: سير أعلام النبلاء 19/322.
3 في ((خ)): ردّه. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -160- أنواع الخوارق
والخوارق ثلاثة أنواع1:
إمّا أن [تُعين]2 صاحبها على البر والتقوى؛ فهذه أحوال نبيّنا ومن اتبعه؛ خوارقهم لحجّة في الدين، أو حاجةً للمسلمين.
والثاني: أن تعينهم على مباحات؛ كمن [يُعينه]3 الجنّ على قضاء حوائجه المباحة؛ فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه. وهذا يُشبه تسخير الجنّ لسليمان [عليه السلام]4. والأول مثل إرسال نبيّنا إلى الجنّ يدعوهم إلى الإيمان؛ فهذا أكمل من استخدام الجنّ في بعض الأمور المباحة؛ كاستخدام سليمان [عليه السلام]5 لهم في محاريبَ، وتماثيلَ، وجِفانٍ [كالجوابِ]6 وقدورٍ راسيات، [اعملوا آل داود شُكراً]7؛ قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ [كَالجَوَابِ]8 وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْملُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرَاً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور}9، وقال تعالى: {وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير}10.
ونبيّنا أُرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ كما أُرسل إلى الإنس. فإذا اتّبعوه، صاروا سعداء. فهذا أكمل له ولهم من ذاك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر أيضاً: مجموع الفتاوى 11/319-320، 323-329.
2 في ((خ)): يعين. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((م))، و ((ط)): تعينه.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).
5 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).
6 في ((م))، و ((ط)): كالجوابي.
7 ما بين المعقوفتين ليس في ((م))، و ((ط)).
8 في ((م))، و ((ط)): كالجوابي.
9 سورة سبأ، الآية 13.
10 سورة سبأ، الآية 12.



ص -161- العبد الرسول أكمل من الملك الرسول
كما أنّ العبدَ الرّسول أكمل من النبيّ الملِك1. ويوسف، وداود، وسليمان [عليهم السلام]2 أنبياء ملوك. وأمّا محمّد [صلى الله عليه وسلم ]3 فهو عبدٌ رسولٌ؛ كإبراهيم، وموسى، والمسيح [عليهم السلام]4. وهذا الصنف أفضل، وأتباعهم أفضل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً: "وانقسم الأنبياء عليهم السلام إلى عبدٍ رسول، ونبيّ ملك. وقد خيَّر الله سبحانه محمّداً صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبداً رسولاً، وبين أن يكون نبيّاً ملكاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً... فالنبيّ الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرّم الله عليه، ويتصرّف في الولاية والمال بما يُحبّه، ويختار من غير إثم عليه. وأما العبد الرسول فلا يُعطي أحداً إلا بأمر ربه، ولا يُعطي من يشاء ويحرم من يشاء؛ بل رُوي عنه أنّه قال: "إني والله لا أعطي أحداً، ولا أمنع أحداً، إنّما أنا قاسم حيث أمرت". مجموع الفتاوى 11/180-181. وانظر: المصدر نفسه 13/88. ومنهاج السنة النبوية 7/468. والبداية والنهاية لابن كثير 6/50، 294.
وحديث "إني والله لا أُعطي أحداً". رواه البخاري في كتاب فرض الخمس.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: "إنّ عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختارما عنده.. فبكى أبو بكر.."
انظر: صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة رقم 45 - الفتح 7/227 -. وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، رقم 2.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جلس جبريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إنّ هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك فقال: أفملكاً نبياً يجعلك، أو عبداً رسولاً. قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: "بل عبداً رسولاً".
انظر: مسند الإمام أحمد 2/231. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند 12/142-143)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان14/280. وقال محققه: صحيح على شرط الشيخين.
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).



ص -162- أهل البدع أحوالهم من إعانة الشياطين
والثالث: أن تعينه على محرمات؛ مثل الفواحش، والظلم، والشرك، والقول الباطل؛ فهذا من جنس خوارق السحرة، والكهّان، والكفّار، والفجّار؛ مثل أهل البدع من الرفاعية1، وغيرهم؛ فإنهم يستعينون بها على الشرك، وقتل النفوس بغير حق، والفواحش. وهذه الثلاثة هي التي حرّمها الله في قوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامَاً}2.
ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهّان، والشعراء، والمجانين - وقد نزّه الله نبيّه عن أن يكون مجنوناً، وشاعراً، وكاهناً3 - فإنّ إخبارهم4 بالمغيّبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهّان، وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم. وهم من جنس المجانين، وقد قال شيخهم: إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الإسلام. وأما سماعهم، ووجدهم فهو شعر الشعراء، ولهذا شبّههم من رآهم بعبّاد المشركين؛ من الهند الذين يعبدون الأنداد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تقدم التعريف بهم ص 180.
2 سورة الفرقان، الآية 68.
3 قال تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}. [سورة الطور، الآيات 29-31].
4 يعني الكهان، والشعراء، والمجانين



lu[.hj hgHkfdhx



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1TUkndI
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق