Menu

الثلاثاء، 31 مايو 2016

ما يدل على النبوة آية وبرهان

فصل كل ما يدل على النبوة آية وبرهان عليها

ص -163- فصل كل ما يدل علىالنبوة آية وبرهان عليها
وحقيقة الأمر أنّ ما يدل على النبوة هو آيةٌ على النبوة، وبرهانٌ عليها. فلا بُدّ أن يكون مختصاً بها، لا يكون [مشتركاً]1 بين الأنبياء وغيرهم؛ فإنّ الدليل هو مستلزمٌ لمدلوله، لا يجب أن يكون أعمّ وجوداً منه، بل إما أن يكون مساوياً له في العموم والخصوص، أو يكون أخصّ منه. وحينئذٍ فآية النبيّ لا تكون لغير الأنبياء. لكن إذا كانت معتادة لكلّ نبيّ، أو لكثيرٍ من الأنبياء، لم يقدح هذا فيها، فلا يضرّها أن تكون معتادة للأنبياء.
وصف الآية بأنها خارقة أو غير خارقة وصف لا ينضبط
وكون الآية خارقة للعادة، أو غير خارقة: هو وصفٌ لم يصفه القرآن، والحديث، ولا السلف.
وقد بيّنا في غير هذا الموضع أنّ هذا وصفٌ لا ينضبط2، وهو عديم التأثير؛ فإنّ نفس النبوة معتادة للأنبياء، خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم.
إنّ كون الشخص يخبره الله بالغيب خبراًً معصوماًً هذا مختصّ بهم، وليس هو موجوداً لغيرهم، فضلاً عن كونه معتاداً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): مشركاً. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 انظر من كتب شيخ الإسلام: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 5/412-421، 6/380-404، 496-505. ومنهاج السنة النبوية 3/228.
وقد بسط المؤلف رحمه الله الكلام على هذا في مواضع من كتابنا هذا. راجع ص 990، 1017، وغيرها.



ص -164- معنى الخارق للعادة
فآية النبيّ لا بُدّ أن تكون خارقةً للعادة؛ بمعنى أنّها ليست معتادة للآدميين؛ وذلك لأنها حينئذ لا تكون مختصة بالنبي بل مشتركة.
وبهذا احتجوا على أنّه لا بدّ أن تكون خارقة للعادة. لكن ليس في هذا ما يدلّ على أنّ كل خارق آية؛ فالكهانة1، والسحر2 هو معتاد للسحرة والكهان، وهو خارق بالنسبة إلى غيرهم؛ كما أنّ ما يعرفه أهل الطب، والنجوم3،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكاهن: هو الذي يدّعي مطالعة عالم الغيب، ويُخبر الناس عن الكوائن. وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور؛ كشقّ، وسطيح، وغيرهما.
انظر: معالم السنن 4/228. ولسان العرب 13/363.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما الكاهن، والمنجم، ونحو هؤلاء، فيكذبون كثيراً، كما يصدقون أحياناً، ويُخبرون بجمل غير مفصّلة". الجواب الصحيح 6/69.
2 قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عن السحر: "اعلم أنّ السحر في الاصطلاح لا يمكن حدّه بحدّ جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته. ولا يتحقق قدر مشترك يكون جامعاً لها ما نعاً لغيرها. ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً". أضواء البيان 4/444.
وعرفه ابن قدامه بقوله: "عزائم، ورقى، وعقد تُؤثّر في الأبدان والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه". الكافي 4/164. والمغني 12/299. وانظر: زاد المعاد 4/125-126.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع أخرى من كتابه هذا: النبوات ص 172: "أنّ الكاهن إنّما عنده أخبار، والساحر عنده تصرف بقتل، وإمراض، وغير ذلك. وهذا تطلبه النفوس أكثر".
3 التنجيم نوعان: أولا: علم التأثير عرّفه شيخ الإسلام رحمه الله بأنّه: "الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية). وقال رحمه الله عن حكمه: "صناعة محرمة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل". مجموع الفتاوى 35/192.
وعرفه ابن خلدون رحمه الله بأنّه "ما يزعمه أصحاب هذه الصناعة من أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها، من قبل معرفة قوى الكواكب، وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة؛ فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالّة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية". مقدمة ابن خلدون ص 519-520. وهذا ينافي التوحيد.
والنوع الثاني: علم التيسير؛ وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات، فهذا لا بأس به، بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات، أو الاهتداء به في الجهات. انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد للشيخ عبد الرحمن السعدي: ص 91-92. وهناك تعاريف أخرى. انظر: معالم السنن 5/371-372. وشرح السنة للبغوي 12/183.



ص -165- والفقه، والنحو هو معتادٌ لنظرائهم، وهو خارقٌ بالنسبة إلى غيرهم.
الكسوف يُعرف بالحساب
ولهذا إذا أخبر الحاسب1 بوقت الكسوف والخسوف2، تعجب الناس؛ [إذ]3 كانوا لا يعرفون طريقه؛ فليس في هذا ما يختص بالنبيّ. وكذلك [قراءة]4 القرآن بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم صارت مشتركة بين النبيّ وغيره. وأما نفس الابتداء به فهو المختص بالنبيّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحَسْبُ يأتي بمعان كثيرة، منها: العدّ والإحصاء وتقدير الشيء. قال الفراء: حَسِبتُ الشيء: ظننتُه أحسِبُه وأحسَبُه، والكسر أجود اللغتين. انظر: تهذيب اللغة 4/329-331، مادة حسب.
وجاء في حديث الهجرة: "فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير...". الحديث رواه البخاري في صحيحه5/79.
2 الكسوف: مأخوذ من كسفت الشمس والقمر - بفتح الكاف. وقيل:كسف الشمس - بالكاف -، وخسف القمر - بالخاء -. انظر: شرح النووي على مسلم 6/198.
وجمهور أهل العلم على أنّ الكسوف والخسوف يكون لذهاب ضوء الشمس والقمر كلّه، ويكون لذهاب بعضه.
فالكسوف لا يكون إلا في آخر الشهر ليالي الإسرار. والخسوف لا يكون إلا في وسط الشهر ليالي الإبدار.
انظر: مجموعة الفتاوى المصرية 1/320. ومجموع الفتاوى 35/175.
3 في ((ط)) فقط: إذا.
4 في ((خ)): قرأت. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -166- المعجزة تكون من الابتداء مختصة بالنبي
وكذلك ما يرويه من أنباء الغيب عن الأنبياء لما صار مشتركاً بين النبيّ وغيره، لم يبق [آية]1، بخلاف الابتداء به.
معنى الكهانة
فالكهانة مثلاً: وهو الإخبار ببعض الغائبات عن الجن: أمرٌ معروفٌ عند الناس. وأرض العرب كانت مملوءة من الكهان، وإنّما ذهب ذلك بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم 2. وهم يكثرون في كل موضع نقص فيه أمر النبوة؛ فهم كثيرون في أرض عبّاد الأصنام، ويوجدون كثيراً عند النصارى، ويوجدون كثيراً في بلاد المسلمين؛ حيث نقص العلم والإيمان بما جاء به الرسول3؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): أنه. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الجنّ - فيما ذكره الله تعالى عنهم -:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [ الجنّ 8-10].
قال ابن عبّاس: "انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليه الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث.." أخرجه البخاري في صحيحه 2/253. ومسلم في صحيحه 1/331.
قال شيخ الإسلام: "وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب ؟ فلما رأوا أنه بالشهب، علموا أنه لأمر حدث. وأرسلت الجن تطلب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلمت أنه كان لأجل ذلك". الجواب الصحيح 5/353-354.
3 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ذلك مراراً، وبيَّن أن أحوال المشعوذين تُقبل في مجتمعات الجاهلين، وتكثر حيث يقلّ العلم والعلماء العاملين. انظر: كتاب الصفدية 1/233، 236. والرد على المنطقيين ص 187.
وهذا مشاهد الآن في بعض الأقطار التي يقلّ فيها نور الإسلام؛ فقد شاع بين بعض الناس علوم السحرة، والعرّافين، وأهل الزّار، ومن يُخبر عن الحظ، والطالع. ونفقت بضاعة المشعوذين والدجالين التي هي من علوم الجاهلية؛ كما قال شيخ البطائحية لشيخ الإسلام رحمه الله لما ناظرهم: "أحوالنا تظهر عند التتار، لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله". انظر: مجموع الفتاوى 11/455.



ص -167- لأنّ هؤلاء أعداء الأنبياء، والله تعالى قد ذكر الفرق بينهم وبين الأنبياء؛ فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ [الشَّيَاطِين]1[تَنَزَّلُ]2 عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيْم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}3.
فهؤلاء لا بُدّ أن يكون في أحدهم كذب وفجور، وذلك يُناقِض النبوّة. فمن ادّعى النبوّة، وأخبر بغيوبٍ من جنس أخبار الكهّان، كان ما أخبر به خرقاً للعادة عند أولئك القوم، لكن ليس خرقاً لعادة جنسه من الكهّان.
خوارق بعض المتنبئين
وهم إذا جعلوا ذلك آية لنبوته، كان ذلك لجهلهم [بوجود]4 هذا الجنس لغير الأنبياء؛ كالذين صدّقوا مسيلمة الكذّاب5، والأسود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): الشيطان.
2 في ((خ)): تنزلوا.
3 سورة الشعراء، الآيات 221-223.
4 في ((ط)) فقط: لوجود.
5 هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفيّ الوائلي. متنبئ. ولد ونشأ باليمامة في بلدة الجبيلة بوادي حنيفة. وكان قد تنبّأ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر. وزعم أنه اشترك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكان معه من الشياطين من يُخبر بالمغيبات. بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير، حتى أهلكه الله على يد وحشي غلام مطعم بن عدي؛ الذي قتل حمزة بن عبد المطلب. وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام.
انظر: مجموع الفتاوى 11/285. وشذرات الذهب 1/231. والأعلام 7/226.



ص -168- العنسي1، والحارث الدمشقي2، وبابا الرومي3، وغير هؤلاء من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي، ذو الخمار، ويلقب بالأسود. كان كاهناً مشعبذاً، فتنبأ باليمن، واستولى على بلاده، وكان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور الغيبية. فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يُخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لمّا تبيّن لها كفره، فقتلوه؛ قتله فيروز الديلمي على فراشه. فبشّر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد. وأتى خبر مقتل العنسي المدينةَ في آخر شهر ربيع الأول، بعد ما خرج أسامة. وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه.
انظر: مجموع الفتاوى 10/666، 11/284. والبداية والنهاية 6/311. والأعلام 5/299.
2 هو الحارث بن سعيد - أو ابن عبد الرحمن - بن سعد. متنبئ من أهل دمشق. يُعرف أتباعه بالحارثية. كان مولى لأحد القرشيين، ونشأ متعبداً زاهداً، ثم ادعى النبوة. وكان يأتي إلى رخامة فينقرها بيده، فتسبح. ويطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء، ويظهر لهم خيالات يقول إنها الملائكة. وتبعه خلق كثير. قبض عليه عبدالملك ابن مروان، فصلبه، وقتله.
انظر: مجموع الفتاوى 11/285. والبداية والنهاية 9/27-28. والأعلام 2/154.
3 ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا المتنبئ الكذّاب في كثير من كتبه؛ مثل: الجواب الصحيح 2/34. وشرح الأصفهانية 1/287. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 179-180؛ حيث ذكره فيه باسم باباه الرومي.
والبابا: اسم عام، يُطلق على الرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية
انظر: المعجم الوسيط 1/35.
ولعلّ المؤلف - رحمه الله - يقصد شخصاً معيّناً؛ فلعله أن يكون البابا نبيّ الصابئة الحرّانيّين؛ إذ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر أنّ الصابئة الحرانيين "لهم نبيّ على أصلهم، يُقال له البابا، وله مصحف يذكر فيه كثيراً من الأخبار المستقبلة، ويذكر أن سيّدته؛ يعني روحانية الزهرة، أخبرته بذلك. وكثير منها صحيح؛ كإخباره بدخول المسلمين بلاد حرّان وغيرها، وفتحهم البلاد، وإهانتهم لطائفته". الرد على المنطقيين ص 480-481.
وليس الأمر علماً بالغيب، بل لعله حدسٌ صدق.



ص -169- المتنبئين الكذّابين1. وكان هؤلاء [يأتون]2 بأمور عجيبة خارقة لعادة أولئك القوم، لكن ليست خارقة لعادة جنسهم ممن ليس [بنبي]3. فمن صدقهم ظنّ أنّ هذا مختصٌ بالأنبياء , وكان من جهله بوجود هذا لغير الأنبياء، كما أنهم كانوا يأتون بأمور [تناقض]4 النبوة5.
آيات الأنبياء لا يعارضها من ليس بنبي
ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يُعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها [صادراً م]6 مّن ليس من جنس الأنبياء، فليس من آياتهم.
ولهذا طلب فرعون أن يُعارَض ما جاء به موسى لمّا ادعى أنّه ساحر7؛ فجمع السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل موسى، فلا [تبقى]8 حجته مختصة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "مسيلمة الكذاب والأسود العنسي اللذين ادعيا النبوة في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لكل منهما شياطين تُخبره وتعينه". مجموع الفتاوى 11/666.
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)): نبي. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 في ((خ)): يناقض. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 ذكر علماء التاريخ أنّ مسيلمة كان يتشبّه بالنبي صلى الله عليه وسلم. وبلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في بئر، فغزر ماؤها. فبصق مسيلمة في بئر، فغاض ماؤها بالكلية. وبصق في آخر، فصار ماؤه أجاجاً، وتوضأ، وسقى بوضوئه نخلاً، فيبست، وهلكت. وأتى بولدان يُبرّك عليهم، فجعل يمسح رؤوسهم، فمنهم من قرع رأسه، ومنهم من لثغ لسانه. ويُقال إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه، ومسحهما، فعمي. انظر: البداية والنهاية 6/331.
وأما الأسود العنسي: فلا أدلّ على كذبه من قصة أبي مسلم الخولاني، حين ألقاه العنسي في النار، فصارت عليه برداً وسلاماً؛ كما صارت النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام.
وقد تقدمت هذه القصة قريباً ص 192.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
7 المدّعي هو فرعون؛ زعم أنّ ما جاء به موسى عليه السلام سحر، وأنّه - عليه السلام - ساحر.
8 في ((خ)): يبقى. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -170- بالنبوة. وأمر?[م موسى]1 أن يأتوا أولاً بخوارقهم، فلمّا أتت، وابتلعتها العصا التي صارت حية، علم السحرة أنّ هذا ليس من جنس مقدورهم، فآمنوا إيماناً جازماً.
ولما قال لهم فرعون: {ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابَاً وَأَبْقَى ? قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا}2. وقالوا: {آمَناَّ بِرَبِّ العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُون}3.
فكان من تمام علمهم بالسحر: أنّ السحر معتادٌ لأمثالهم، وأنّ هذا ليس من هذا الجنس، بل هذا مختص بمثل هذا؛ فدلّ على صدق دعواه.
وفرعون وقومه [بين]4 معاندٍ وجاهلٍ استخفه فرعون؛ كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ}5.
نقد شيخ الإسلام لبعض من عرف المعجزة
فإذا قيل لهم: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة، أو قيل: هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي، أو قيل مع ذلك الخارق للعادة: السليم عن المعارضة؛ فكونه خارقا للعادة ليس أمرا مضبوطا.
فإنّه إن أريد به أنّه لم يوجد له نظير في العالم، فهذا باطلٌ؛ فإن آيات الأنبياء بعضها نظير بعض، بل النوع الواحد منه؛ كإحياء الموتى: هو آية لغير واحد من الأنبياء.
وإن [قيل]6: إنّ بعض الأنبياء كانت آيته لا نظير لها؛ كالقرآن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
2 سورة طه، الآيتان 71-72.
3 سورة الأعراف، الآيتان 121-122.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
5 سورة الزخرف، الآية 54.
6 في ((خ)): قد. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -171- والعصا، والناقة، لم يلزم ذلك في سائر الآيات1.
ثمّ هب أنّه لا نظير لها في نوعها، لكن وجد خوارق العادات للأنبياء غير هذا، فنفس خوارق العادات معتادٌ [جنسه]2 للأنبياء، بل هو من لوازم نبوتهم، مع كون الأنبياء كثيرين؛ وقد روي أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبيّ3 وما يأتي به كلّ واحد من هؤلاء، لا يكون معدوم النظير في العالم، [بل ربما كثر نظيره]4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 والسبب والله أعلم: أنّ هذه المعجزات لم تتكرر لأنبياء آخرين، إنّما جاءت لما هو شائعٌ بين القوم المرسل إليهم، ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة. فالقرآن الكريم تحدّى به رسول الله صلى الله عليه وسلم العربَ أن يأتوا بسورةٍ من مثله، فعجزوا، وهم الذين عُرفوا بالبراعة في فنون القول والفصاحة. والعصا معجزة موسى عليه السلام لما عُرف عن قوم فرعون من البراعة في السحر. والناقة معجزة صالح عليه السلام، وكان قومه يتقلبون في نعم الله، وينحتون من الجبال بيوتاً؛ فأخرج الله لهم ناقة عشراء من صخرة ملساء، لها شرب، ولثمود شرب يوم آخر.
انظر: رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري ص166. وأعلام النبوة للماوردي ص 97. والإنصاف للباقلاني ص 93. وأصول الدين للبغدادي ص 108. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص 572. والشفاء للقاضي عياض 1/200. وشرح المقاصد للتفتازاني 5/14. وتفسير ابن كثير 1/364-365، 2/418، 5/169-200. والبداية والنهاية له 2/84. وتفسير السعدي 3/28. ومع الأنبياء في القرآن الكريم ص 22.
2 في ((م))، و ((ط)): جميعه.
3 رواه الإمام أحمد في المسند 5/266. وابن حبان في صحيحه 8/54، وقال: على شرط مسلم، ولم يُخرّجه. وقال عنه القرطبي: هذا أصحّ ما رُوي في ذلك. انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/14. وصحّحه الألباني. انظر: مشكاة المصابيح 3/1599.
4 في ((خ)): وإن كثر. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -172- الكلام عن معنى خرق العادة
[وإن عني بكون]1 المعجزة هي الخارق للعادة: أنّها خارقة لعادة أولئك المخاطبين بالنبوة؛ بحيث ليس فيهم من يقدر على ذلك، فهذا ليس بحجة؛ فإنّ أكثر الناس لا يقدرون على الكهانة، والسحر، ونحو ذلك.
وقد يكون المخاطبون بالنبوة ليس فيهم هؤلاء؛ كما كان أتباع مسيلمة2، والعنسي3، وأمثالهما؛ لا يقدرون على ما يقدر عليه هؤلاء.
والمبّرز في فنٍ من الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحد في زمنه، وليس هذا دليلاً على النبوة؛ فكتاب سيبويه4 مثلاً ممّا لا يقدر على مثله عامّة الخلق، وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مختصاً بالأنبياء، بل هو موجود لغيرهم. وكذلك طب أبقراط5.
بل وعلم العالم الكبير من علماء المسلمين خارج عن عادة الناس، وليس هو دليلاً على نبوّته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): قد يكون. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 سبق التعريف به قريباً ص 192.
3 سبق التعريف به قريباً ص 192.
4 هو عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث. أبو البشر. من تلاميذ الخليل. توفي سنة 177?، وعمره نيف وأربعين سنة. وقد صنّف في النحو كتاباً لا يلحق شأوه، وشرحه أئمة النحاة بعده، فانغمروا في لجج بحره. وكان المبرد إذا أراد إنسان أن يقرأ كتاب سيبويه يقول له: ركبتَ البحر؛ تعظيماً له، واستعظاماً لما فيه. وقال المازني: من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه، فليستحيي.
انظر: البداية والنهاية لابن كثير 10/182. والفهرست لابن النديم ص 76.
5 هو بقراط بن إيراقليس. طبيب ماهر من تلاميذ أسقلبيوس الثاني. كان في أيام بهمن ابن أردشير. قال يحيى النحوي: بقراط وحيد دهره الذي يضرب به المثل، الطبيب الفيلسوف. وبلغ به الأمر إلى أن عبده الناس. توفي سنة 357 ق.م، وعمره 95سنة.
انظر: طبقات الأطباء ص 24. والفهرست ص 400. وتاريخ الحكماء ص 90.



ص -173- وأيضاً: فكون الشيء معتاداً هو مأخوذ من العود. وهذا يختلف بحسب الأمور؛ فالحائض المعتادة: من الفقهاء من يقول: [تثبت]1 عادتها بمرة، ومنهم من يقول: بمرتين، ومنهم من يقول: لا [تثبت]2 إلا بثلاث3.
وأهل كلّ بلدٍ لهم عادات في طعامهم، ولباسهم، وأبنيتهم، لم يعتدها غيرهم. فما خرج عن ذلك فهو خارق لعادتهم، لا لعادة من اعتاده [غيرهم]4.
فلهذا لم يكن في كلام الله، ورسوله، وسلف الأمة، وأئمتها وصف آيات الأنبياء بمجرد كونها خارقة للعادة، [ولا يجوز أن يجعل مجرد خرق العادة هو الدليل؛ فإنّ هذا لا ضابط له، وهو مشتركٌ بين الأنبياء وغيرهم. ولكن إذا قيل: من شرطها أن تكون خارقة للعادة]5؛ بمعنى أنها لا تكون معتادة للناس فهذا ظاهر يعرفه كل أحد.
القول بأن المعجزة هي الخارقة للعادة ليس كافياً لوجهين
ويعرفون أنّ الأمر المعتاد؛ مثل الأكل، والشرب، والركوب، والسفر، وطلوع الشمس، وغروبها، ونزول المطر في وقته، وظهور الثمرة في وقتها، ليس دليلاً، ولا يدّعي أحدٌ أنّ مثل هذا دليلٌ له؛ فإن فساد هذا ظاهر لكلّ أحد.
ولكن ليس مجرد كونه خارقاً للعادة كافياً لوجهين:
أحدهما: أنّ كون الشيء معتاداً وغير معتاد أمرٌ نسبيّ إضافيّ، ليس بوصف مضبوط تتميّز به الآية، بل يعتاد هؤلاء ما لم يعتد هؤلاء؛ مثل كونه مألوفاً، ومجرّباً، ومعروفاً، ونحو ذلك من الصفات الإضافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): يثبت. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 في ((خ)): يثبت. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 انظر: هذه الأقوال الثلاثة مع أدلتها في كتاب المغني 1/397-398.
4 في ((م))، و ((ط)): من غيرهم.
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)).



ص -174- الثاني: أنّ مجرّد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم. وإذا خصّ ذلك بعدم المعارضة، فقد يأتي الرجل بما لا يقدر الحاضرون على معارضته، ويكون معتاداً لغيرهم كالكهانة، والسحر. وقد يأتي بما لا يمكن معارضته، وليس بآية لشيء؛ لكونه لم يختص بالأنبياء.
وقد يُقال في طبّ [بقراط]1 ونحو سيبويه2 أنّه لا نظير له، بل لا بد أن يقال: إنّه مختصّ بالأنبياء، والطب، والنحو، والفقه.
وإن أتى الواحد بما لا يقدر غيره على نظيره، فليس مختصاً بالأنبياء، بل معروف أنّ هذا تعلّم بعضه من غيره، واستخرج سائره بنظره.
وإذا خصّ الله طبيباً، أو نحوياً، أو فقيهاً بما ميّزه به على نظرائه، لم يكن ذلك دليلاً على نبوّته، وإن كان خارقاً للعادة؛ فإنّ ما يقوله الواحد من هؤلاء قد علمه بسماعٍ، أو تجربةٍ، أو قياسٍ.
وهي طرقٌ [معروفة]3 لغير الأنبياء.
والنبيّ قد علّمه الله من الغيب الذي عصمه فيه عن الخطأ ما لم يعلَمْهُ إلا نبيّ مثلُهُ.
الآية لا تعرف أنها مختصة بالنبي حتى يعرف جنس النبوة
فإن قيل: فحينئذٍ لا يُعرف أنّ الآية مختصةٌ بالنبيّ، حتى [تُعرف]4 النبوة. [قيل]5: أما بعد وجود الأنبياء في العالم، فهكذا هو.
ولهذا يُبيّن الله عزّ وجلّ نبوّة محمّد في غير موضع باعتبارها بنبوّة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): أبقراط. وبقراط: تقدم التعريف به.
2 تقدم التعريف به.
3 في ((خ)): معرفة. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 في ((خ)): يعرف. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 في ((م))، و ((ط)): قبل.



ص -175- قبله. [و]1 تارةً يُبيّن أنّه لم يُرسل ملائكةً، بل رجالاً من أهل القرى، ليُبيّن أنّ هذا معتادٌ معروفٌ، ليس هو أمراً لم تَجْرِ به عادة الربّ ؛ كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}2؛ كما ذكره في سورة النحل3 والأنبياء4. وقال في يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيْرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ}5.
فإنّ الكفّار كانوا يقولون: إنّما يُرسل الله مَلَكاً، أو يُرسل مع البشر مَلَكَاً؛ كما قال فرعون {أَمْ أَنَا [خَيْرٌ]6 مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِين فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [أَسْوِرَة]7 مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ [مُقْتَرنِين]8}9.
وقال قوم نوح: {مَا هذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ}10.
وقال مشركو العرب لمحمد: {مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 حرف الواو ساقطٌ في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
2 سورة الأنبياء، الآية 7.
3 قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}. [النحل 43].
4 وهي الآية التي تقدمت آنفاً.
5 سورة يوسف، الآية 109.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)).
7 في ((خ)): أساورة.
8 رسمت في ((خ)): مقترين.
9 سورة الزخرف، الآيتان 52-53.
10 سورة المؤمنون، الآية 24.



ص -176- في الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ [إِلَيْهِ]1 مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} 2.
وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرَاً رَسُولاً قُلْ لَوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكَاً رَسُولاً}3.
الآيات الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم تقدم له نظراء وقد بشروا به
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكَاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكَاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}4؛ بيَّن أنّهم لا يُطيقون الأخذ عن الملائكة إن لم يأتوا في صورة البشر، ولو جاءوا في صورة البشر لحصل اللبس.
وقال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبَاً أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ}5، وكانت العرب لا عهد لها بالنبوة من زمن إسماعيل، فقال الله لهم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر ِ}6؛ يعني أهل الكتاب، {إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُونَ}7: هل أرسل إليهم رجالا أو ملائكة، ولهذا قال له: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعَاً مِنَ الرُّسُلِ}8، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل}9؛ بيَّن أنّ هذا الجنس من الناس معروفٌ، قد تقدم له نظراء وأمثال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((ط)): عليه.
2 سورة الفرقان، الآيتان 7-8.
3 سورة الإسراء، الآيتان 94-95.
4 سورة الأنعام، الآيتان 8-9.
5 سورة يونس، الآية 2.
6 سورة النحل، الآية 43.
7 سورة النحل، الآية 43.
8 سورة الأحقاف، الآية 9.
9 سورة آل عمران، الآية 144.



ص -177- وهو سبحانه أمر أن يُسأل أهل الكتاب، وأهل الذكر عما عندهم من العلم [ بأمور ]1 الأنبياء؛ هل هو من جنس ما جاء به محمّد، أو هو مخالفٌ له؛ ليتبيّن بأخبار أهل الكتاب المتواترة جنس ما جاءت به الأنبياء، وحينئذٍ فيعرف قطعاً أنّ محمّداً نبيّ، بل هو أحقّ بالنبوّة من غيره.
والثاني: أن يسألوهم عن خصوص محمّد، وذكره عندهم. وهذا يعرفه الخاصّة منهم، ليس هو معروفاً كالأوّل يعرفه كل كتابي؛ قال تعالى: {قلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ [وَشَهِدَ]2 شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ}3.
تفسير قوله تعالى: {وشهد شاهد من بني إسرائيل}
وقوله: {شَهِدَ شَاهِدٌ}: ليس المقصود شاهداً واحداً معيّناً، بل ولا [يُحتَمل]4 كونه واحداً. وقول من قال: [إنه]5 عبد الله بن سلام6 ليس بشيء7؛ فإنّ هذه نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام8، ولكنّ المقصود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((م))، و ((ط)): من أمور.
2 في ((خ)): شاهد.
3 سورة الأحقاف، الآية 10.
4 في ((خ)): يحمل. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)).
6 هو عبد الله بن سلام بن الحارث؛ الإمام الحبر، المشهود له بالجنّة. أبو الحارث الإسرائيليّ، حليف الأنصار. من خواصّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. أسلم وقت هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقدومه المدينة. توفي بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. انظر: سير أعلام النبلاء 2/413.
7 القول بأنّ المقصود بهذه الآية عبد الله بن سلام: رواه البخاري في صحيحه 3/1387، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام رضي الله عنه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. وعزاه القرطبيّ إلى ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. انظر: الجامع لأحكام القرآن 16/124.
8 قال مسروق رحمه الله: واللهِ ما نزلت في عبد الله بن سلام. ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنّها خصومة خاصم محمد صلى الله عليه وسلم بها قومه.... فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم. انظر: تفسير الطبري 27/9.



ص -178- جنس الشاهد1؛ كما [تقول]2 قام الدليل. وهو الشاهد الذي يجب تصديقه سواء كان واحداً قد يقترن بخبره ما يدلّ على صدقه، أو كان عدداً يحصل بخبرهم العلم [بما]3 تقول؛ فإن [خبرك]4 بهذا صادقٌ. وقوله: {عَلَى مِثْلِهِ}: فإنّ الشاهد من بني إسرائيل على [مثل]5 القرآن؛ وهو أنّ الله بعث بشراً، وأنزل عليه كتاباً أمر فيه بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهى فيه عن عبادة ما سواه، وأخبر فيه أنّه خلق هذا العالم وحده، وأمثال ذلك.
المشركون ليس معهم دليل سمعي ولا عقلي
وقد ذَكَرَ في أول هذه السورة6 التوحيد، وبيّن أنّ المشركين ليس معهم على الشرك لا دليل عقليّ، ولا سمعيّ؛ فقال تعالى: {[مَا خَلَقْنَا]7 السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُوْنِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وهذا الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام رضي الله عنه وغيره". انظر: تفسير القرآن العظيم 4/156.
2 في ((خ)): يقول. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)): كما. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 في ((خ)): أخبرك. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
6 سورة الأحقاف.
7 في ((خ))، و ((م))، و ((ط)): ما خلق الله. وهو خطأ، والصواب ما أثبت.



ص -179- اللهِ شَيْئَاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيْضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعَاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوْحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} إلى آخره1.
ومثل ذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ}2؛ فمن عنده علم الكتاب3 شهد بما في الكتاب الأول4، وهو يوجب تصديق الرسول لأنه يشهد بالمثل5، ويشهد أيضاً بالعين6. و[كلّ]7 من الشهادتين كافية، فمتى ثبت الجنس8، عُلم قطعاً أنّ المعيّن منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأحقاف، الآيات 3-10.
2 سورة الرعد، الآية 43.
3 قال ابن كثير رحمه الله: (والصحيح في هذا: أنّ {وَمَنْ عِنْدَهُ}: اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة؛ من بشارات الأنبياء به؛ كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ} الآية. وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ}، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة ). تفسير القرآن العظيم 2/521.
4 وهي الكتب السابقة المتقدمة على القرآن، والتي فيها ذكر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كالتوراة والإنجيل.
5 أمثال الأنبياء، وحاجة الأمم إليهم، ولأنّ الله سبحانه وتعالى لا بُدّ أن يُقيم الحجة على عباده، فيُرسل إليهم الرسل يدلّونهم على عبادته وحده.
6 أنّه يخصّ ويُعيّن رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ اسمه، وصفاته؛ كما قال عيسى بن مريم عليه السلام: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..}. [الصف، الآية 6].
7 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
8 جنس الأنبياء.



ص -180- وقال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ في شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّك فلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ}1. وهذا سواءٌ كان خطاباً [للرسول]2 والمراد به غيره، أو خطاباً له وهو لغيره بطريق الأولى. [والتقدير]3 قد يكون معدوماً أو ممتنعاً4، وهو بحرف (إن)؛ كقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِيْنَ}5، و{إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}6؛ والمقصود بيان الحكم على هذا التقدير: إن كنتُ قلتُهُ فأنت عالمٌ به وبما في نفسي، وإن كان له ولدٌ فأنا عابده، وإن كنت شاكّاً فاسأل إن قُدّر إمكان ذلك؛ فسؤال الذين يقرءون الكتاب قبله إذا أخبروا، فما عندهم شاهدٌ له، ودليلٌ، وحجّةٌ. ولهذا نهى بعد ذلك عن الامتراء7 والتكذيب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة يونس، الآيتان 94-95.
2 في ((ط)) فقط: للرسل.
3 في ((م))، و ((ط)): المقدر.
4 يرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله أنّ المحال لا يعلّق عليه إلا المحال؛ فيقول رحمه الله: "إنّ الشرط إن عُلّق به مستحيل، فلا يُمكن أن يصحّ الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلاً أيضاً؛ لأنّ الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل. أما كون الشرط مستحيلاً، والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر، فهذا مما لا يصحّ بحال. ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه...". أضواء البيان 7/294.
5 سورة الزخرف، الآية 81.
6 سورة المائدة، الآية 116.
7 الامتراء: الشكّ.
انظر: لسان العرب 15/278. والقاموس المحيط 766. والمصباح المنير 750.



ص -181- الآيات التي بتقدير الممتنع بحرف إن كثيرة
وأما تقدير الممتنع بحرف (إن) فكثيرٌ، ومن ذلك قوله:{فَإِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقَاً في الأَرْضِ أَوْ سُلَّمَاً في السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ}1، {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}2، {أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}3، {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودَاً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}4، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}5، وقد قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمُهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ}6، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ}7، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوْتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدَاً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}8، وقال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا}9. وهذا كُلّه في السور المكية، والمقصود الجنس. فإذا شهد جنس هؤلاء مع العلم بصدقهم حصل المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنعام، الآية 35.
2 سورة المرسلات، الآية 39.
3 سورة النمل، الآية 64.
4 سورة البقرة، الآية 111.
5 سورة يونس، الآية 38.
6 سورة الشعراء، الآية 197.
7 سورة الأنعام، الآية 114.
8 سورة الإسراء، الآية 107-108.
9 سورة القصص، الآيات 52-54.



ص -182- شهادة الرسل بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم
لا يقف العلم على شهادة كل واحد واحد؛ فإنّ هذا متعذّر. ومن أنكر، أو قال: لا أعلم، لم يضر إنكاره. وإن قال: بل أعلم عَدَمَ مَا شهدوا به، عُلم افتراؤه في الجنس، وعُلم في الشخص [إذ]1 كان لم يحط علماً بجميع نسخ الكتب المتقدمة، وما في النبوّات كلّها، فلا سبيل لأحدٍ من أهل الكتاب أن يعلم انتفاء ذكر محمد في كل نسخة، بكلّ كتابٍ من كتب الأنبياء؛ إذ العلم بذلك متعذّر. ثمّ هذه النسخ الموجودة فيها ذكره في مواضع كثيرة، قد ذكر قطعة منها في غير هذا الموضع2.
أعظم شرك المشركين دعوى الشريك لله والولد
وما ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد، وفي مبعثه: هو دعوى الشريك لله، والولد. والقرآن مملوءٌ من تنزيه الله عن هذين، وتنزيهه عن المثل والولد يجمع كلّ التنزيه.
فهذا في سورة الإخلاص، وفي سورة الأنعام في مثل قوله: {وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}3، وفي سورة [سبحان]4: {وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الّذِي لَمْ يَتّخِذ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ}5، وفي سورة الكهف في أولها: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَاً}6، وفي آخرها: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتّخِذُوا عِبَادِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)) رسمت: "إن". وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 انظر: الجواب الصحيح 5/197-318؛ فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله كثيراً من الشهادات الدالّة على نبوّة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل.
3 سورة الأنعام، الآية 100.
4 في ((ط)) فقط: الإسراء.
5 سورة الإسراء، الآية 111.
6 سورة الكهف، الآية 4.



ص -183- مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء... [وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً]1}2، وفي مريم تنزيهه عن الولد في أول السورة3، وآخرها4 ظاهرٌ. وعن الشريك: في مثل قصة إبراهيم5، وفي تنزيل6، وغير ذلك. وفي الأنبياء تنزيهه عن الشريك والولد، وكذلك في المؤمنين: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}7، وأوّل الفرقان: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ}8. وأما طه، والشعراء مما بسط فيه قصة موسى.
فالمقصود الأعظم بقصة موسى إثبات الصانع9، ورسالته؛ إذ كان فرعون منكراً. ولهذا عظم ذكرها في القرآن، بخلاف قصة غيره؛ فإن فيها الردّ على المشركين المقرّين بالصانع، ومن جعل له ولداً من المشركين، وأهل الكتاب10.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين لا يوجد في ((ط)) فقط، ويُوجد بدلاً منه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}.
2 سورة الكهف، الآيات 102-110.
3 في قوله جل وعلا: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}. [مريم، 35].
4 في نحو قوله جل وعلا: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً}. [مريم، 92].
5 انظر: سورة مريم، الآيات 42-48.
6 قال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ}. [الزمر، 1-2].
7 سورة المؤمنون، الآية 91.
8 سورة الفرقان، الآية 2.
9 الصانع: ليس من أسماء الله تعالى، وإنّما ذلك من باب الإخبار. وما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته؛ كالشيء، والموجود، والصانع، والقائم بنفسه، والقديم؛ فإنّه يُخبر به عنه إن احتيج إليه، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلّ على المدح.
انظر: مجموع الفتاوى 9/300-301. وبدائع الفوائد 1/161.
10 انظر: الجواب الصحيح 6/445.



ص -184- مذهب الفلاسفة الملحدين
ومذهب الفلاسفة الملحدة1 دائرٌ بين التعطيل، وبين الشرك والولادة؛ كما يقولونه في الإيجاب الذاتي2؛ فإنه أحد أنواع الولادة. وهم ينكرون معاد الأبدان.
وقد قُرن بين هذا وهذا3 في الكتاب والسنة في مثل قوله: {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّاً أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئَاً}4، إلى قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً}5. وهذه في سورة مريم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الفلاسفة: "وأما الفلاسفة فإمّا أن يكونوا من المشركين، وإما أن يكونوا من المجوس، وإما أن يكون من الصابئين، وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث. فمن كان من المشركين كما يُذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم، أو من المجوس كفلاسفة الفرس ونحوهم: فاليهود والنصارى خيرٌ منه. ولذلك هم خيرٌ من فلاسفة الصابئين". درء تعارض العقل والنقل 9/207-208.
وقال في موضع آخر: "الفلاسفة الملاحدة؛ كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، وأمثالهم..". درء تعارض العقل والنقل 3/165.
2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لفظ الموجب بالذات لفظ فيه إجمال. فإن عني به ما يعنيه الفلاسفة من أنه علة تامة مستلزمة للعالم، فهذا باطل؛ لأنّ العلة التامة تستلزم معلولها. ولو كان العالم معلولاً لازماً لعلة أزلية، لم يكن فيه حوادث؛ فإنّ الحوادث لا تحدث عن علة تامة أزلية. وهذا خلاف المحسوس. وسواء قيل: إن تلك العلة التامة ذات مجردة عن الصفات؛ كما يقوله نفاة الصفات من المتفلسفة؛ كابن سينا وأمثاله. أو قيل: إنه ذات موصوفة بالصفات، لكنها مستلزمة لمعلولها. فإنه باطلٌ أيضاً. وإن فسّر الموجب بالذات بأنه يوجب بمشيئته وقدرته كلّ واحد واحد من المخلوقات في الوقت الذي أحدثه فيه. فهذا دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، ومذهب أهل السنة. فإذا قالوا: إنه بمشيئته وقدرته يوجب أفعال العباد وغيرها من الحوادث، فهو موافق لهذا المعنى لا المعنى الذي قالته الدهرية". منهاج السنة النبوية 3/274-275.
3 بين إنكار البعث، ووصف الله بأنّ له ولداً - تعالى عن ذلك علواً كبيراً -.
4 سورة مريم، الآيتان 66-67.
5 سورة مريم، الآية 88.



ص -185- المتضمنة خطاب النصارى، ومشركي العرب؛ لأن الفلاسفة داخلون فيهم؛ فإنّ اليونان اختلطوا بالروم، فكان فيها خطاب هؤلاء وهؤلاء.
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذّبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك. فأمّا شتمه إياي: فقوله: إني اتّخذت ولداً. وأنا الأحد، الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد. وأما تكذيبه إياي: فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته" رواه البخاري عن ابن عباس1.
ولمّا كان الشركُ أكثرُ في بني آدم من القول بأنّ له ولداً، كان تنزيهه عنه أكثر. وكلاهما يقتضي إثبات: (مِثْلٍ)، و(نِدّ) من بعض الوجوه؛ فإنّ الولد من جنس الوالد، ونظير له، وكلاهما يستلزم الحاجة والفقر، فيمتنع وجود قادر بنفسه.
فالذي جعل شريكاً، لو فُرض مكافئاً، لزم افتقار كلّ منهما. وهو ممتنع. وإن كان غير مكافئ، فهو مقهورٌ.
الولد يتخذه المتخذ للحاجة
والولد يتخذه المتّخذ لحاجته إلى معاونته له؛ كما يُتَّخَذ المال؛ فإنّ الولد إذا اشتدّ أعان والده.
قال تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِيّ لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ}2، وقال تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً لَقَدْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري 4/1903، كتاب التفسير، باب تفسير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}سورة الإخلاص. وأخرجه الإمام أحمد في المسند 2/350-351، 394-397، عن أبي هريرة.
2 سورة يونس، الآية 68.



ص -186- جِئْتُمْ شَيْئَاً إِدَّاً}1، إلى قوله: {إِنْ كُلُّ مَنْ في السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِ الرَّحْمَنِ عَبْدَاً}2، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلّ لَهُ قَانِتُونَ}3.
فإنّ كون المخلوق مملوكاً لخالقه، وهو مفتقر إليه من كل وجه، والخالق غنيّ عنه يُناقض اتّخاذ الولد؛ [لأنه]4 إنما يكون لحاجته إليه في حياته، أو ليخلفه بعد موته. والربّ غنيّ عن كلّ ما سواه، وكلّ ما سواه فقيرٌ إليه، وهو الحي الذي لا يموت.
والوالد في نفسه [مفتقر]5 إلى ولد مخلوق، لا حيلة له فيه، بخلاف من يشتري المملوك فإنه باختياره مَلَكَهُ، ويمكنه إزالة ملكه؛ فتعلقه به من جنس تعلقه بالأجانب. والولادة بغير اختيار الوالد. والربّ يمتنع أن يحدث شيء بغير اختياره.
واتّخاذ الولد هو عِوَض عن الولادة لمن لم يحصل له، فهو أنقص في الولادة.
ولهذا من قال بالإيجاب الذاتي بغير مشيئته وقدرته، فقوله من جنس قول القائلين بالولادة الحاصلة بغير الاختيار، بل قولهم شرّ من قول النصارى ومشركي العرب من بعض الوجوه؛ كما قد بسط الكلام على هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة مريم، الآيتان 88-89.
2 سورة مريم، الآية 93.
3 سورة البقرة، الآية 116.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
5 في ((خ)): افتقار. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -187- في تفسير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}1، وغيره2.
جنس النبوة معروف عند الناس
والمقصود: أنّ الله قال لمحمّد: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعَاً مِنَ الرُّسُل}3، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل}4؛ فبيَّن أنّ هذا الجنس من الناس معروفٌ، قد تقدم له نظراء، وأمثال؛ فهو معتادٌ في الآدميين، وإن كان قليلاً [في الآدميّين]5.
آيات الأنبياء مختصة بهم وكرامات أتباعهم آيات لهم
وأمّا من جاءهم رسولٌ [لا]6 يعرفون قبله رسولاً؛ كقوم نوح، فهذا بمنزلة ما يبتديه الله من الأمور، وحينئذٍ فهو يأتي بما يختص به، ممّا يعرفون أن الله صدّقه في إرساله. فهذا يدلّ على النوع والشخص، وإن كانت آيات غيره تدلّ على الشخص؛ إذ النوع قد عرف قبل هذا.
[والمقصود]7 أن آيته وبرهانه لا بُدّ أن يكون مختصاً بهذا النوع، لا يجب أن يختصّ بواحدٍ من النوع، ولا يجوز أن يوجد لغير النوع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهو كتاب تفسير سورة الإخلاص لشيخ الإسلام.
ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كتاب آخر في تفسير السورة، اسمه: جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن. حققه الشيخ سليمان الغفيص، في مرحلة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.
2 انظر: مجموع الفتاوى 17/291.
3 سورة الأحقاف، الآية 9.
4 سورة آل عمران، الآية 144.
5 في ((م))، و ((ط)): فيهم.
6 في ((م))، و ((ط)): ما.
7 في ((م))، و ((ط)): والمقصود.



ص -188- وقد قلنا1 أنّ ما يأتي به أتباع الأنبياء من ذلك هو مختص بالنوع، [فإنا نقول]2 هذا لا يكون إلا لمن اتبع الأنبياء فصار مختصاً بهم. وأما ما يوجد لغير الأنبياء وأتباعهم، فهذا هو الذي لا يدلّ على النبوة؛ [كخوارق]3 السحرة، والكهان.
من طعن بالأنبياء وصفهم بالسحر والجنون والشعر
وقد عرف الناس أنّ السحرة لهم خوارق، ولهذا كانوا إذا طعنوا في نبوّة النبيّ واعتقدوا علمه، قالوا هو ساحر؛ كما قال فرعون لموسى:{إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}4، وقال للسحرة لما آمنوا: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِيعَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}5، و{إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}6؛ [و]7 كلّ هذا من كذب فرعون، وكانوا يقولون:{يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}8.
وكذلك المسيح؛ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرَاً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ [بَعْدِي]9 اسْمُهُ أَحْمَد فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}10.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: ص 161، 162، 179، 187.
2 في ((خ)): فإنّه يقول. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)): لخوارق. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 سورة الشعراء، الآيتان 34-35.
5 سورة طه، الآية 71.
6 سورة الأعراف، الآية 123.
7 ما بين المعقوفتين ليس في ((م))، و ((ط)).
8 سورة الزخرف، الآية 49.
9 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)).
10 سورة الصف، الآية 6.



ص -189- وقال تعالى عن كُفّار العرب: {وَ[إِنْ]1 يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ}2.
وإن نسبوه إلى عدم العلم، قالوا: مجنونٌ؛ كما قالوا عن نوح: {مَجْنُونٌ وَازْدُجِر}3، وقالوا عن موسى: {قال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُون}4، وقال عن مشركي العرب: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون}5.
وقد قال تعالى:{[كَذَلِكَ]6 مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون}7.
فالسحر أمرٌ معتادٌ في بني آدم، كما أنّ النبوّة معتادةٌ فيهم. كما أنّ العقلاء معتادون في بني آدم، والمجانين معتادون فيهم.
فإذا قالوا عن الشخص: إنّه مجنون؛ فإنّه يُعلم هل هو من العقلاء أو من المجانين بنفس ما يقوله ويفعله. وكذلك يُعرف هل هو من جنس الأنبياء، أو من جنس السحرة.
وكذلك لما قالوا عن محمّد: إنّه شاعرٌ8؛ فإنّ الشعراء جنسٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 سورة القمر، الآية 2.
3 سورة القمر، الآية 9.
4 سورة الشعراء، الآية 27.
5 سورة القلم، الآية 51.
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((م))، و ((ط)).
7 سورة الذاريات، الآيتان 52-53.
8 ذكر الله سبحانه وتعالى أنّ كفّار مكة قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}. [الأنبياء 51].
وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}. [يس 69].
قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: "أي ما هو في طبعه؛ فلا يُحسنه، ولا يُحبّه، ولا تقتضيه جبلته. ولهذا ورد أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه، أو لم يتمّه"، ثمّ ذكر رحمه الله أمثلة على ذلك. انظر: تفسير ابن كثير 3/578.



ص -190- معروفون في الناس، وقالوا: إنه كاهن1.
شبهة من قال: القرآن شعر
وشبهة الشعر أنّ القرآن كلام موزون2، والشعر موزون.
وشبهة الكهانة أنّ الكاهن يُخبر ببعض الأمور الغائبة؛ فَذَكَرَ الله تعالى الفرق بين هذين، وبين النبيّ، فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون}3، ثمّ قال: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: خرجتُ أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أُسلم، فوجدتُه قد سبقني إلى المسجد، فقمتُ خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلتُ أعجب من تأليف القرآن. قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ}. قال: فقلت: كاهن. قال: فقرأ: {وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ...}. [الحاقة 40-42] أخرجه الإمام أحمد في مسنده. انظر: الفتح الرباني 20/232.
2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وما يُوجد في القرآن من مثل قوله: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [الكهف 104]، و {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ} [العاديات 11]، ونحو ذلك، فلم يتكلّف لأجل التجانس، بل هذا غير مقصود بالقصد الأول؛ كما يوجد في القرآن من أوزان الشعر، ولم يقصد به الشعر؛ كقوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ 13]، وقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر 49]، {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح 2-3]، ونحو ذلك). منهاج السنة النبوية 3/53-54. وانظر: الجواب الصحيح 5/433.
3 سورة الشعراء، الآيات 221-223.



ص -191- يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرَاً}1، {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ}2، وقال تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ لا بِقَولِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ}3.
ولهذا لما عرض الكُفّار على كبيرهم [الوحيد]4 أن يقولوا للناس: هو شاعرٌ، ومجنونٌ، وساحرٌ، وكاهنٌ، صار يُبيّن لهم أنّ هذه أقوال فاسدة، وأنّ الفرق معروفٌ بينه، وبين هذه الأجناس.
فالمقصود أن هذه الأجناس كلّها موجودة في الناس، معتادة، معروفة. وكلّ واحد منها يُعرف بخواصه المستلزمة له، وتلك الخواص آيات له، مستلزمة له. فكذلك النبوّة لها خواصّ مستلزمة لها، تُعرف بها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الشعراء، الآيات 224-227.
2 سورة يس، الآية 69.
3 سورة الحاقة، الآيات 41-43.
4 في ((خ)): التوحيد. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
والمقصود به كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الوليد بن المغيرة، الذي كان من أعظم الناس كفراً، وهو الوحيد المذكور في قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} [المدثر، 11].
انظر: منهاج السنة النبوية 1/41. ودرء تعارض العقل والنقل 5/162.
ومن خبره: "أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يُصلّي ويقترئ، فأعجبه القرآن، ووصفه بأنه ليس بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وأنّ له لحلاوة، وأنّ عليه لطلاوة، وأنه ليعلو وما يعلى عليه. وقال لهم أيضاً: سمعت قولاً حلواً أخضر مثمراً يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر ؟ فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عرضَتْ عليّ الشعراء شعرهم؛ نابغة، وفلان، وفلان ؟. قالوا: فهو كاهن ؟ فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عُرِضت عليّ الكهانة. قالوا: فهذا سحر الأولين اكتتبه؟ قال: لا أدري إن كان شيئاً فعسى هو إذاً سحر يؤثر".
انظر: الخبر برواياته في تفسير الطبري 29/156-157، وفي تفسير ابن كثير 4/443.



ص -192- وتلك الخواص خارقة لعادة غير الأنبياء، وإن كانت معتادة للأنبياء، فهي لا توجد لغيرهم. فهذا هذا1. والله أعلم.
مدعي النبوة يستعين بالشياطين
فإذا أتى مدّعي النبوّة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبيّ، لا يحصل مثله لساحرٍ، ولا كاهنٍ، ولا غيرهما، كان دليلاً على نبوّته. وكلّ من الساحر، والكاهن يستعين بالشياطين؛ فإنّ الكهّان [تنزل]2 عليهم الشياطين تخبرهم؛ والسحرة تعلّمهم الشياطين؛ قال تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى [يَقُولا]3 إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ}4.
والساحر لا يتجاوز سحره الأمور المقدورة للشياطين؛ كما تقدّم بيانه5.
الساحر ومقدرته ومقصده
والساحر كما قال تعالى:{وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}6،وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلاق}7؛ فهم يعلمون أنّ السحر لا ينفع في الآخرة، ولا يُقرّب إلى الله، وأنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ فإنّ مبناه على الشرك، والكذب، والظلم، مقصود صاحبه الظلم، والفواحش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كما أنّ جنس الشعر، والسحر، والكهانة لها خواصّ معتادة، مستلزمة لها، تُعرف بها. فكذلك النبوّة من هذا الباب.
2 في ((خ)): ينزل. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 في ((خ)): يقول.
4 سورة البقرة، الآية 102.
5 تقدّم بيان ذلك ص 192.
6 سورة طه، الآية 69.
7 سورة البقرة، الآية 102.



ص -193- الفرق بين النبي والساحر
وهذا مما يُعلم بصريح العقل أنّه من السيئات؛ فالنبيّ لا يأمر به، [ولا يعمله]1، [وإنّما]2 يستعين على ذلك [صاحبه]3 بالشرك والكذب. وقد عُلِم بصريح العقل، مع ما تواتر عن الأنبياء أنّهم حرّموا الشِّرك. فمتى كان الرجل يأمر بالشرك، وعبادة غير الله، أو يستعين على مطالبه بهذا، وبالكذب، والفواحش، والظلم، عُلِم قطعاً أنّه من جنس السحرة، لا من جنس الأنبياء.
وخوارق هذا يمكن معارضتها وإبطالها من بني جنسه، وغير بني جنسه. وخوارق الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها، ولا يمكن أحداً إبطالها، لا من جنسهم، ولا من غير جنسهم؛ فإنّ الأنبياء [يصدق]4 بعضهم بعضاً، فلا يُتصوّر أنّ نبياً يُبطل معجزة آخر. وإن أتى بنظيرها، فهو يصدقه.
ومعجزة كلّ منهما آية له، وللآخر5 أيضا؛ كما أن معجزات أتباعهم6 آيات لهم، بخلاف خوارق السحرة؛ فإنّها إنّما تدلّ على أنّ صاحبَها ساحرٌ يؤثّر آثاراً غريبةً ممّا هو فسادٌ في العالم، ويُسَرّ بما يفعله من الشرك، والكذب، والظلم، ويستعين على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم، والفساد، والنبيّ مقصوده العدل، والصلاح. وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة. وهذا يأمر بالتوحيد لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين من ((م))، و ((ط)).
2 ما بين المعقوفتين لا يوجد في ((م))، و ((ط)).
3 ما بين المعقوفتين من ((م))، و ((ط)).
4 في ((خ)): تصدق. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
5 للنبيّ الذي يأتي بعده.
6 المقصود كرامات أتباعهم.



ص -194- إنّما يستعين بالشرك، وعبادة غير الله. وهذا يُعظِّم إبليسَ وجنودَه، وهذا يذمّ إبليسَ وجنودَه.
الإقرار بوجود الملائكة والجن عام وقد أنكرهما الفلاسفة
والإقرار بالملائكة، والجنّ عامّ في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذّ من بعض الأمم1، ولهذا قالت الأمم المكذّبة: {ولَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً}2؛ حتى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون. قال قوم نوح: {مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً}3، وقال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}4.
وفرعون وإن كان مظهراً لجحد الصانع؛ [فإنه ما]5 قال: {فلوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [أَسْوِرَة]6 مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}7 إلاَّ وقد سمع بذكر الملائكة؛ إمّا معترفاً بهم، وإمّا مُنكراً لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أنكرت الفلاسفة وجودَ الملائكة والجنّ، وعبّروا عنهما بالقوّة التخييليّة.
انظر: الرد على المنطقيين ص 106. ودرء تعارض العقل والنقل 10/205.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ملاحدة الفلاسفة يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ونحو ذلك من المقالات الخبيثة التي يقولها القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلاّل المتكلمين والمتعبّدة".
مجموع الفتاوى 4/346. وانظر: المرجع نفس 4/259. وشرح الطحاوية ص 402-403.
2 سورة المؤمنون، الآية 24.
3 سورة المؤمنون، الآية 24.
4 سورة فصلت، الآيتان 13-14.
5 في ((خ)) كُتبت: فإنّما. ثمّ صُحّحت في الهامش بقوله: صوابه: فإنّه ما.
6 في ((خ))، و ((م))، و ((ط)): أساور.
7 سورة الزخرف، الآية 53.



ص -195- فذكر الملائكة، والجنّ عامّ في الأمم.
وليس في الأمم أمّة تُنكر ذلك إنكاراً عاماً، وإنّما يُوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد [يتفلسف]1، فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم.
فلا بُدّ في آيات الأنبياء من أن تكون مع كونها خارقةً للعادة أمراً غيرَ معتاد لغير الأنبياء، بحيث لا يقدر عليه إلا الله الذي أرسل الأنبياء، ليس مما يقدر عليه غير الأنبياء، لا بحيلة، ولا عزيمة، ولا استعانة بشياطين، ولا غير ذلك.
من خصائص معجزات الأنبياء
ومن خصائص معجزات الأنبياء: أنّه لا يُمكن معارضتها. فإذا عجز النوع البشري غير الأنبياء عن معارضتها، كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، بخلاف ما كان موجوداً لغيرها. فهذا لا يكون آيةً البتة.
الفلاسفة لا يعرفون النبوة
فأصل هذا أن يعرف وجود الأنبياء في العالم، وخصائصهم؛ كما يعلم وجود السحرة، وخصائصهم. ولهذا من لم يكن عارفاً بالأنبياء من فلاسفة اليونان، والهند، وغيرهم، لم يكن له فيهم كلام يُعرف، كما لم يُعرف لأرسطو2، وأتباعه فيهم كلام يُعرف، بل غاية من أراد أن يتكلم في ذلك؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): يفلسف. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 هو أرسطوطاليس بن نيقو ماخس الفيثاغوري. تتلمذ على أفلاطون، ثم صار بعده أستاذاً. انتهت إليه فلسفة اليونان، فكان هو خاتمهم. وكان مشركاً يعبد الأصنام. وهو الذي جعل المنطق آلة العلوم النظرية. وكان معلماً للإسكندر. وقد عني فلاسفة المسلمين بفلسفة أرسطو، وسمّوه معلمهم الأول. وله كتاب الحيوان.
ولد في اليونان سنة384 ق.م
راجع: تاريخ الحكماء ص 27-53. وفهرست ابن النديم ص 359. وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم 2/259. والفرق بين الفرق ص 307-308.



ص -196- كالفارابي1، وغيره أن يجعلوا ذلك من جنس المنامات المعتادة. ولمّا أراد طائفة؛ كأبي حامد2، وغيره أن يقرّروا إمكان النبوة على أصلهم، احتجوا بأنّ مبدأ الطبّ، ومبدأ النجوم، ونحو ذلك، كان من الأنبياء؛ لكون المعارف المعتادة لا تنهض بذلك. وهذا إنّما يدلّ على اختصاص من أتى بذلك بنوعٍ من العلم. وهذا لا يُنكره عاقل.
وعلى هذا بنى ابن سينا أمر النبوة؛ أنها من قوى النفس، وقوى النفوس متفاوتة3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان التركي الحكيم. صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما. وهو أكبر فلاسفة المسلمين. وقد أتقن اللغة العربية. وكان مولده سنة 259?، ووفاته سنة 299?.
انظر: وفيات الأعيان 5/153. وفهرست ابن النديم ص 368. والبداية والنهاية 11/324.
وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي، وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم". درء تعارض العقل والنقل1/157.
2 هو الغزالي. وقد مرّ التعريف به.
3 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا القدر، فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء وبين فلسفة المشائين؛ أرسطو وأمثاله. ولهذا تكلموا في الآيات، وخوارق العادات، وجعلوا لها ثلاثة أسباب: القوى الفلكية، والقوى النفسانية، والطبيعية؛ إذ كانت هذه هي المؤثرات في العالم عندهم. وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات، وما للسحرة من العجائب هو من قوى النفس. ولكن الفرق بينهما أن ذلك قصده الخير، وهذا قصده الشرّ. وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء... فإنه مبنيّ على إنكار الملائكة وإنكار الجنّ، وعلى أنّ الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم". الجواب الصحيح6/24. وانظر: درء تعارض العقل والنقل 5/70.



ص -197- وكلّ هذا كلام من لا يعرف النبوة، بل هو أجنبيّ عنها، وهو أنقص ممن أراد أن يُقرّر أنّ في الدنيا فقهاء، وأطباء، وهو لم يعرف غير الشعراء؛ فاستدلّ بوجود الشعراء، على وجود الفقهاء، والأطباء. بل هذا المثال أقرب؛ فإنّ بُعد النبوّة عن غير الأنبياء أعظم من بُعد الفقيه، والطبيب عن الشاعر، ولكنّ هؤلاء من أجهل الناس بالنبوّة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على أصول قومٍ لم يعرفوا الأنبياء.
فإن قيل: موسى، وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو؛ فإنّ أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة1.
وأيضاً فقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}2، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرَاً وَنَذِيرَاً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِير}3؛ فهذا يُبيِّن أنّ كُلّ أمّة قد جاءها رسولٌ، فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل ؟.
جوابان عن عدم معرفة الفلاسفة الأنبياء
قلت: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنّ كثيراً من هؤلاء لم يعرفوا الرسل؛ كما قال: {وَمِنْهُم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وهو وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني التي تؤرخ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى. وهذا كان مشركاً يعبد هو وقومه الأصنام، ولم يكن يسمى ذا القرنين". الجواب الصحيح1/345. وانظر: درء تعارض العقل والنقل 5/68. ومنهاج السنة النبوية 1/409.
2 سورة النحل، الآية 36.
3 سورة فاطر، الآية 24.



ص -198- مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}1، فلم تبق أخبار الرسول وأقواله معروفة عندهم.
الثاني: أنّه قال تعالى: {تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم فَهُوَ وَلِيّهُمُ اليَوْمَ}2، فإذا كان الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم، كان في هؤلاء من درست أخبار الأنبياء عندهم، فلم يعرفوها. وأرسطو لم يأت إلى أرض الشام، ويُقال: إنّ الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الأنبياء، لكن المعرفة المجملة لا تنفع؛ كمعرفة قريش؛ كانوا قد سمعوا بموسى، وعيسى، وإبراهيم سماعاً من غير معرفة بأحوالهم.
وأيضا: فهم وأمثالهم المشاؤون3 أدركوا الإسلام وهم من أكفر الناس بما جاءت [به]4 الرسل. أما أنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم، وما سمعوه: حرّفوه، أو حملوه على أصولهم.
وكثيرٌ من المتفلسفة هم من هؤلاء. فإذا كان هذا حال هؤلاء في ديار الإسلام، فما الظن بمن كان ببلادٍ5 لا [يُعرف]6 فيها شريعة نبي، بل طريق معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوعٍ من الآدميين خصّهم [الله]7 بخصائص، يعرف ذلك من أخبارهم، واستقراء أحوالهم؛ كما يعرف الأطباء، والفقهاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النحل، الآية 36.
2 سورة النحل، الآية 63.
3 المشاؤون هم أتباع أرسطو. وسمّوا مشائين لأنهم كانوا يمشون ويلقون دروسهم وهم سائرون في الطريق.
انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي ص 14.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهو في ((م))، و ((ط)).
5 في ((ط)) فقط: في بلاد.
6 في ((م))، و ((ط)): تعرف.
7 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ))، وهي في ((م))، و ((ط)).



ص -199- جنس النبوة يثبت بأحوال الأنبياء السابقين
ولهذا إنّما يقرّر الربّ تعالى في القرآن أمر النبوّة وإثبات جنسها بما وقع في العالم؛ من قصة نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم؛ [فيذكر]1 وجود هؤلاء، وأنّ قوماً صدّقوهم، وقوماً كذّبوهم. ويُبيِّن حال من صدّقهم، وحال من كذّبهم؛ فيُعلم بالاضطرار حينئذٍ ثبوت هؤلاء2، [ويتبيّن]3 وجود آثارهم في الأرض. فمن لم يكن رأى في بلده آثارهم، فليسر في الأرض، ولينظر آثارهم، وليسمع أخبارهم المتواترة. يقول الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَومُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيد أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمَاً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِير}4.
ولهذا قال مؤمن آل فرعون5 لمّا أراد إنذار قومه: {يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): فتذكر. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 انظر: الجواب الصحيح 5/141-142، 6/345-350. وشرح الطحاوية ص151.
3 في ((خ)): وتبيين. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 سورة الحج، الآيات 42-48.
5 ذكر الطبري رحمه الله اختلاف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن؛ فقال بعضهم: كان الرجل إسرائيلياً، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون. وقال آخرون - وهو الصواب: إنه من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله.
انظر: جامع البيان 24/59-60.



ص -200- عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَاد}1.
ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل2، والنجاشيّ3، وغيرهما القرآنَ، قال ورقة بن نوفل: هذا هو النَّاموس4 الذي كان يأتي موسى5. وقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة غافر، الآيتان 30-31.
2 هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسديّ، ابن عم خديجة بنت خويلد زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم. كان قد كره عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب، وكانت خديجة رضي الله عنها تسأله عن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقول: ما أراه إلا نبيّ هذه الأمة الذي بشّر به موسى وعيسى.
انظر: الإصابة لابن حجر 3/633-635.
3 النجاشيّ لقبٌ لكلّ من ملك الحبشة؛ مثل لقب قيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك فارس.
والمراد بالنجاشيّ هنا: أصحمة. أسلم في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه. وأخباره معهم ومع كفار قريش الذين طلبوا منه أن يُسلّم إليهم المسلمين مشهورة. توفي في بلده قبل فتح مكة، وصلى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب بالمدينة، وكبّر عليه أربعاً.
انظر: الإصابة لابن حجر 1/17.
4 الناموس: صاحب السرّ؛ كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء. وزعم ابن ظفر أنّ الناموس: صاحب سرّ الخير، والجاسوس: صاحب سر الشرّ. والأول الصحيح الذي عليه الجمهور. وقد سوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب.
والمراد بالناموس هنا: جبريل عليه السلام. وقوله: "على موسى"، ولم يقل على عيسى، مع كونه نصرانياً؛ لأنّ كتاب موسى عليه السلام مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى عليه السلام. وكذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم.
على أنّه قد ورد بإسنادين؛ أحدهما حسن، والآخر ضعيف: ناموس عيسى. فعلى هذا: كان ورقة يقول تارةً: ناموس عيسى، وتارةً: ناموس موسى. انظر: فتح الباري 1/35.
5 رواه الإمام البخاري في صحيحه 1/5، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإمام مسلم في صحيحه 1/139، 145، 160-161.
وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والقرآن أصلٌ كالتوراة، وإن كان أعظم منها. ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وكذلك ورقة بن نوفل، وهو من أحبار نصارى العرب لما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إنه يأتيك الناموس الذي يأتي موسى... ولهذا يقرن سبحانه بين التوراة والقرآن...". الجواب الصحيح 1/116-118.

ص -201- النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به موسى [ليخرج]1 من مشكاة واحدة2. فكان عندهم علمٌ بما جاء به موسى؛ اعتبروا به، ولولا ذلك لم يعلموا هذا.
وكذلك الجنّ لمّا سمعت القرآن، ولّوا إلى قومهم منذرين،{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابَاً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم}3.
ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد، قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدَاً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاًفَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذَاً وَبِيلاً}4، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدَى لِلنَّاسِ [تَجْعَلُونَهُ]5 قَرَاطِيسَ [تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ]6 كَثِيرَاً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ((خ)): لتخرج. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
2 رواه الإمام أحمد في المسند 1/201-203،، 5/290-292.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/24-27): ورجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرّح بالسماع.
3 هذا نصّ الآية الثلاثين من سورة الأحقاف.
4 سورة المزمل، الآيتان 15-16.
5 في ((خ)): يجعلونه.
6 في ((خ)): يُبدونها ويُخفون.



ص -202- خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}1.
فهو سبحانه يُثبت وجود جنس الأنبياء ابتداءً؛ كما في السور المكية2 حتى يثبت وجود هذا الجنس، وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه.
من أقر بجنس الأنبياء يلزمه الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
ثم [نبوة]3 عين هذا النبيّ4 تكون ظاهرة؛ لأنّ الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء. فمن أقرّ بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمّد في غاية الظهور، أبين مما أقرّ أنّ في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء. فإذا رأى نحو سيبويه، وطب [أبقراط]5، وفقه الأئمة الأربعة، ونحوهم، كان إقراره بذلك من أبين الأمور.
ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به، وهو الغالب على عامتهم، أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم.
والعرب عرفوا ما جاء به محمد. فلمّا أقرّوا بجنس الأنبياء، لم يبق عندهم في محمّد شكّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنعام، الآيتان 91-92.
2 قيل في تعريف المكي والمدني عدة تعريفات، أشهرها: أنّ المكي:ما نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بمكة.
وقد رجح الزركشي أنّ المكي خطاب، المقصود به - أو جلّ المقصود به - أهل مكة.... كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة. والتعريف الأول أظهر.
انظر: البرهان في علوم القرآن 1/187-191.
3 كتب في ((خ)): ثبوت. وفي الحاشية: لعله نبوة. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
4 المقصود به الإقرار بنبوة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم.
5 في ((خ)): بقراط. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -203- وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأنبياء، يدلّ على نبوّة محمّد بطريق الأولى؛ إذ كانوا من جنس واحد، ونبوّته أكمل. فينبغي معرفة هذا، فإنّه أصل عظيم1.
ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به، فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية. فإنّهم لما عرفوا نبوته، وأنّه لا بُدّ من متابعته، أو متابعة اليهود والنصارى، عرفوا أنّ متابعته أولى.
ومن كان من أهل الكتاب: بعضهم آمن به، وبعضهم لم يؤمن جهلاً، وعناداً. وهؤلاء كان عندهم كتاب ظنوا استغناءهم به، فلم يستقرئوا أخبار محمد، وما جاء به خالين من [الهوى]2، بخلاف من لم يكن له كتاب3؛ فإنّه نظر في الأمرين نَظَرَ خالٍ من الهوى، فعرف فضل ما جاء به محمد على ما جاء به غيره.
ولهذا لا تكاد [توجد]4 أمة لا كتاب لها يُعرض عليها دين المسلمين، واليهود، والنصارى، إلاَّ رجّحت دين الإسلام؛ كما يجري لأنواع الأمم التي لا كتاب لها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فمن أقرّ بجنس الأنبياء يلزمه أن يُقرّ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها في غاية الظهور والبيان. وهذا الأصل من الطرق التي بها تعرف نبوته صلى الله عليه وسلم.
وانظر: الجواب الصحيح 5/141-142، 6/345-350. وشرح الطحاوية ص151.
2 في ((خ)): هوى. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).
3 مثل المجوس، والصابئة. انظر: الملل والنحل 1/230، 2/5.
4 في ((خ)): يوجد. وما أثبت من ((م))، و ((ط)).



ص -204- فأهل الكتاب مقرون بالجنس، منازعون في العين1. والمتفلسفة من اليونان والهند منازعون في وجود كمال الجنس، وإن أقرّوا ببعض صفات الأنبياء، فإنّما أقرّوا منها بما لا يختص بالأنبياء، بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم.
فلم يؤمن هؤلاء 2 بالأنبياء البتة.
هذا هو الذي يجب القطع به3. ولهذا يُذكرون معهم ذكر الجنس الخارج عن أتباعهم؛ فيقال: قالت الأنبياء، والفلاسفة، واتفقت الأنبياء، والفلاسفة؛ كما يُقال: المسلمون، واليهود، والنصارى4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مقرون بالأنبياء السابقين، منكرون لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
2 الفلاسفة.
3 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن معتقد الفلاسفة: "ليس للفلاسفة مذهب معيّن ينصرونه، ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات، والمعاد، والنبوات، والشرائع، بل وفي الطبيعيات، والرياضيات، بل ولا في كثير من المنطق، ولا يتفقون إلا على ما يتفق عليه جميع بني آدم من الحسيّات المشاهدة، والعقليات التي لا ينازع فيها أحد". منهاج السنة النبوية 1/357.
وقال أيضاً: "لكن الذي لا ريب فيه أنّ هؤلاء أصحاب التعاليم؛ كأرسطو وأتباعه، كانوا مشركين يعبدون المخلوقات، ولا يعرفون النبوات، ولا المعاد البدني، وأن اليهود والنصارى خيرٌ منهم في الإلهيات، والنبوات، والمعاد". منهاج السنة النبوية 1/364.
4 يُوجد في ((خ)) بياض.



lh d]g ugn hgkf,m Ndm ,fvihk



هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs


from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/25yuQ77
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق