ص -241- وقال الصولي: حدثنا جعفر الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، قال: خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة، ووافق يوم عرفة، فلما سلم كبر الناس، فأنكر التكبير ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال: يا غوغاء، ما هذا التكبير في غير أيامه؟ حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة والكبير في غد ظهرًا عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى.
وقال الصولي: حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: كنا عند المأمون، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله -عز وجل- أنفعهم لعياله"1. فصاح المأمون، وقال: اسكت، أنا أعلم بالحديث منك، حدثنيه يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله أنفعهم لعياله". أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من طرق عن يوسف بن عطية.
وقال الصولي: حدثنا المسيح بن حاتم العكلي، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله، قال: سمعت المأمون يخطب، فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه، ثم قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء: والجفاء في النار"2. أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون.
وقال الحاكم: حدثنا الحسين بن تميم، حدثنا الحسين بن فهم، حدثنا يحيى بن أكثم القاضي، قال: قال لي المأمون يومًا: يا يحيى، إني أريد أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبرًا فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به: عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار".
ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثًا، ثم نزل، فقال لي: يا يحيى،كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة، وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر3.
وقال الخطيب: حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: لما فتح المأمون مصر قال له قائل: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: ويحك! إلا أنه بقيت لي خلة، وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي: من ذكرت رضي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عدي "154،153/7".
2 أخرجه ابن عساكر "294/245/4".
3 الخلقان: جمع خلق وهو البالي ومنه ثوب خلق. مختار الصحاح "187".
ص -242- الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من عال ابنتين أو ثلاثًا أو أختين أو ثلاثًا حتى يمتن أو يموت عنهن، كان معي كهاتين في الجنة"1، وأشار بالمسبحة والوسطى.
قال الخطيب: في هذا الخبر غلط فاحش، ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين، وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين.
وقال الحاكم: حدثنا ابن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال وقف المأمون يومًا للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: إيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئًا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا حجاج، وحدثنا فلان، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثانٍ، فلم يذكر شيئًا، فذكره المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم.
وقال ابن عساكر: حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح، حدثنا محمد بن المغلس، حدثنا محمد بن السري القنطري، حدثنا علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت، فقال: يا يحيى ما شأنك؟ قلت: عطشان، فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء، فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام؟ قال: لا حدثني أبي عن أبيه عن جده، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم"2.
وقال الخطيب: حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي، حدثني أحمد بن الحسن الكسائي، حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني، حدثني يحيى بن أكثم، فذكر نحوه، إلا أنه قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني جرير بن عبد الله سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "سيد القوم خادمهم"3.
وقال ابن عساكر: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي، حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار، حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في تاريخه "81/11".
2 أخرجه ابن عساكر "9/ 24835/ كنز".
3 أخرجه الخطيب في تاريخه "187/10".
ص -243- الكاتب، حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، حدثنا أبو حذيفة البخاري، قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مولى القوم منهم"1، قال محمد بن قدامة: فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وفي أيام المأمون أحصى أولاد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا، ما بين ذكر وأنثى، وذلك في سنة مائتين.
وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس بن بكير راوي المغازي، وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة -رحمه الله- ومعروف الكرخي الزاهد، وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ، وإسحاق بن الفرات قاضي مصر، ومن أجلة أصحاب مالك، وأبو عمرو الشيباني اللغوي، وأشهب صاحب مالك، والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة الحافظ، وروح بن عبادة، وزيد بن الحباب، وأبو داود الطيالسي، والغازي بن قيس من أصحاب مالك، وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور، وعلي الرضا بن موسى الكاظم، والفراء إمام العربية، وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة، وقطرب النحوي، والواقدي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والنضر بن شميل، والسيدة نفسية، وهشام أحد النحاة الكوفيين، واليزيدي، واليزيد بن هارون، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة، وعبد الرزاق، وأبو العتاهية الشاعر، وأسد السنة، وأبو عاصم النبيل، والفريابي، وعبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن الحكم، وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية، والأصمعي وخلائق آخرون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عساكر "29642/10كنز".
المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد1
المعتصم بالله، أبو إسحاق، محمد بن الرشيد، ولد سنة ثمانين ومائة، كذا قال الذهبي، وقال الصولي: في شعبان سنة ثمانٍ وسبعين.
وأمه أم ولد، من مولدات الكوفة، اسمها ماردة، وكانت أحظى الناس عند الرشيد، روى عن أبيه، وأخيه المأمون، وروى عنه: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون.
وكان ذا شجاعة، وقوة، وهمة، وكان عريًّا من العلم.
فروى الصولي، عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشمي، قال: كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد مات غلامك، قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب، فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا، دعوه لا تعلموه، قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 218هـ وحتى 227هـ.
ص -244- وقال الذهبي: كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن.
وقال نفطويه والصولي: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمن؛ لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس، والثامن من ولد العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثماني عشرة، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، ومولده سنة ثمانٍ وسبعين، وعاش ثمانيًا وأربعين سنة، وطالعه العقرب، وهو ثامن برج، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانية أعداء، وخلف ثمانية أولاد، ومن الإناث كذلك، ومات لثمانٍ بقين من ربيع الأول.
وله محالسن، وكلمات فصيحة، وشعر لا بأس به، غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل.
وقال ابن أبي دؤاد: كان المعتصم يخرج ساعده إلي، ويقول: يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك، فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان.
وقال نفطويه: وكان من أشد الناس بطشًا، كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره.
وقال غيره: هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان.
وكان يتشبه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيتهم، وبلغ غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفًا.
وقال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به، فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب، والأبيات التي هجاه بها هذه:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم يأتنا في ثمانٍ منهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة غداة ثووا فيها وثامنهم كلب
وإني لأزهى كلبهم عنك رغبة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم وصيف وأشناس، وقد عظم الخطب
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة فأنت له أم وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقًا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين، وفيها تحول المعتصم من بغداد وبنى سر من رأى، ولك أنه اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك، قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار، قال: لا طاقة لي بذلك؛ فكان ذلك سبب بنائه: سر من رأى، وتحول إليها.
ص -245- وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتت جموعهم، وخرب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفًا وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس، وأنه يكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة، وهي هذه:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين، لا في السبعة الشهب
أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصًا وأحاديثًا ملفقة ليست بعجم إذا عدت ولا عرب
مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين، وكان قد ذلل العدو بالنواحي، ويقال: إنه قال في مرض موته: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}[الأنعام: 44] ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، وقيل: جعل يقول: أو خذ من بين هذا الخلق، وقيل: إنه قال: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي، ومن شعره:
قرب النحام واعجل يا غلام واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض لجة الموت فمن شاء أقام
وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب؛ ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها؛ فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم: إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك، وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي، فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته، وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات.
وقال الصولي: سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قط كظفره، أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك استيسان، وملك الشياصح، وملك فرغانة، وملك طخارستان، وملك الصفة، وملك كابل.
وقال الصولي: وكان نقاش خاتمه: الحمد الله الذي ليس كمثله شيء.
ومن أخبار المعتصم -أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها، إلا أنه افتتحها بقوله:
ص -246- يا دار غيرك البلى ومحاك يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟!
فتطير المعتصم، وتطير الناس، وتغامزوا، وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؟ وخرب المعتصم القصر بعد ذلك.
وأخرج عن إبراهيم بن العباس، قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه، وكان أول من ثرد الطعام وكثره، حتى بلغ ألف دينار في اليوم.
وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي.
وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول: من طلب الحق بماله وعليه أدركه.
وأخرج عن محمد بن عمر الرومي، قال: كان للمعتصم غلام يقال له: عجيب، لم ير الناس مثله قط، وكان مشغوفًا به، فعمل فيه أبياتًا، ثم دعاني، وقال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب، لحب أمير المؤمنين لي، وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا، وقد عملت في عجيب أبياتًا، فإن كانت حسنة وإلا فاصدقني، حتى أكتمها، ثم أنشد شعرًا.
لقد رأيت عجيبًا يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر والقدر يحكي القضيبا
وإن تناول سيفًا رأيت ليثًا حريبًا
وإن رمى بسهام كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحب فلا عدمت الطبيبا
إني هويت عجيبًا هوى أراه عجيبًا
فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه، وأمر لي بخمسين ألف درهم.
وقال الصولي: حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابًا يهدده فيه، فلما قرئ عليه قال للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
وأخرج الصولي عن الفضل اليزيد قال: وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه: من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد.
ص -247- إن المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصمًا فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف فواضله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فقال أبو وهيب: فينا من يقول خيرًا منه فيك، وقال:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها: شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
تحكى أفاعيله في كل نائبة الليث والغيث والصمصامة الذكر
ولما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك، جامعًا بين العزاء والهناء، فقال:
قلد قلت إذ غيبوك واصطفقت عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على الدنيا ونعم الظهير للدين
ما يجبر الله أمة فقدت مثلك إلا بمثل هارون
حديث رواه المعتصم: قال الصولي حدثنا العلائي، حدثنا عبد الملك بن الضحاك، حدثني هشام بن محمد، حدثني المعتصم، قال: حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآن}[الإسرم: 60] فقيل له: أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: "ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية، إذا ملكوا جاروا، وإذا ائتمنوا خانوا"، وضرب بيده على ظهر عمه العباس، فقال: "يخرج الله من ظهرك يا عم رجلًا يكون هلاكهم على يده".
قلت: الحديث موضوع، وآفته العلائي.
وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، حدثني علي بن الحسين الحافظ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثنا ابن خلاد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي، حدثنا إسحاق بن يحيى معاذ، قال: كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: أنت في عافية، فقال: كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده، عن ابن عباس مرفوعًا: "من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه، مات فيه".
قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق، ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي، عن أحمد بن محمد بن الليث، عن منثور بن النضر، عن إسحاق.
وممن مات في أيام المعصتم من الأعلام: الحميدي شيخ البخاري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو غسان المهدي، وقالون المقرئ، وخلاد المقرئ، وآدم بن أبي إياس،
ص -248- وعفان، والقعنبي، وعبدان المروزي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وإبراهيم بن المهدي، وسليمان بن حرب، وعلي بن محمد المدائني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقرة بن حبيب، وعارم، ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ، وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكي، وسعدويه الواسطي، وأبو عمر الجرمي النحوي، ومحمد بن سلام البيكندي، وسنيد، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن يحيى التميمي، وآخرون.
الواثق بالله هارون1
الواثق بالله هارون، أبو جعفر -وقيل: أبو القاسم- ابن المعتصم بن الرشيد. أمه أم ولد رومية، اسمها قراطيس.
ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة، وولي الخلافة بعهد من أبيه، بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين.
وفي سنة ثمانٍ وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجًا مجوهرًا، وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانًا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه.
وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك، ثم رجع في آخر أمره.
وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدًا، وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال الواثق له: تكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك! يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟! إنما كفرت بربي وصفته، ما تقولون فيه؟ فقال: جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًّا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه. ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه، فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره، ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة، فقرأ سورة يس بلسان طلق، رويت هذه الحكاية من غير وجه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 227هـ، حتى 232هـ.
ص -249- وفي هذه السنة استفك من الروم ألفًا وستمائة أسير مسلم، فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله: من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر.
قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ويقال: إنه رجع عنه قبل موته.
وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبّلًا بالحديد من بلاده، فلما دخل -وابن أبي دؤاد حاضر- قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد بل علمه، قال: فكان يسعه ألا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا وضحك الواثق، وقام قابضًا على فمه ودخل بيتًا، ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسكت عنه ولا يسعنا، فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده، ولم يمتحن أحدًا بعدها، ومقت ابن أبي دؤاد من يومئذ.
والرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي.
قال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض، تعلوه صفرة، حسن اللحية، وفي عينيه نكتة.
قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.
وقال غيره: كان الواثق وافر الأدب، مليح الشعر، وكان يحب خادمًا أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم، والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق.
ياذا الذي بعذابي ظل مفتخرًا ما أنت إلا مليك جار إذا قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر وإن أفق منه يومًا ما فسوف ترى
ومن شعر الواثق في خادمه:
مهج يملك المهج بسجى اللحظ والدّعج
حسن القد مخطف ذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بدا عنه باللحظ منعرج
وقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله، وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده، وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء، وكان شاعرًا، وكان أعلم الخلفاء بالغناء.
وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت، وكان حاذقًا بضرب العود، راوية للأشعار
ص -250- والأخبار.
وقال الفضل اليزيدي: لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق، فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم، كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق، وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئًا.
وقال يزيد المهلبي: كان الواثق كثير الأكل جدًّا.
وقال ابن فهم: كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلًا، وكل ما على الخوان من غضارة وصفحة، وسكرجة من ذهب، فسأله ابن أبي دؤاد ألا يأكل عليه للنهي عنه، فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال.
وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة، وأن قائلًا يقول له: لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت، فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك، فلم يعرفوا معناه، فوجه إلى أبي محلم وأحضره، فسأله عن الرؤيا والمرت، فقال أبو محلم: المرت: القفر الذي لا ينبت شيئًا، فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خالٍ من الإيمان خلو المرت من النبات، فقال له الواثق: أريد شاهدًا من الشعر في المرت، فبادر بعض من حضر فأنشد بيتًا لبني أسد:
ومرت مروتاة يحار بها القطا ويصبح ذو علم بها وهو جاهل
فضحك أبو محلم، وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك، فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت، فأمر له الواثق بمائة ألف دينار.
وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق، ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه.
وقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه إلى الغاية، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله.
ومن مديح علي بن الجهم فيه:
وثقت بالملك الواثق بالله النفوس ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
أسد يضحك من شداته الحرب العبوس أنس السيف به واستوحش الطلق النفيس
يا بني العباس يأبى الله إلا أن تروسوا
وقال الصولي: حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: كنا عند المأمون، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله -عز وجل- أنفعهم لعياله"1. فصاح المأمون، وقال: اسكت، أنا أعلم بالحديث منك، حدثنيه يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخلق عيال الله، فأحب عباد الله أنفعهم لعياله". أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من طرق عن يوسف بن عطية.
وقال الصولي: حدثنا المسيح بن حاتم العكلي، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله، قال: سمعت المأمون يخطب، فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه، ثم قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء: والجفاء في النار"2. أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون.
وقال الحاكم: حدثنا الحسين بن تميم، حدثنا الحسين بن فهم، حدثنا يحيى بن أكثم القاضي، قال: قال لي المأمون يومًا: يا يحيى، إني أريد أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبرًا فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به: عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار".
ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثًا، ثم نزل، فقال لي: يا يحيى،كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة، وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر3.
وقال الخطيب: حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: لما فتح المأمون مصر قال له قائل: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: ويحك! إلا أنه بقيت لي خلة، وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي: من ذكرت رضي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عدي "154،153/7".
2 أخرجه ابن عساكر "294/245/4".
3 الخلقان: جمع خلق وهو البالي ومنه ثوب خلق. مختار الصحاح "187".
ص -242- الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من عال ابنتين أو ثلاثًا أو أختين أو ثلاثًا حتى يمتن أو يموت عنهن، كان معي كهاتين في الجنة"1، وأشار بالمسبحة والوسطى.
قال الخطيب: في هذا الخبر غلط فاحش، ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين، وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين.
وقال الحاكم: حدثنا ابن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال وقف المأمون يومًا للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: إيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئًا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا حجاج، وحدثنا فلان، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثانٍ، فلم يذكر شيئًا، فذكره المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم.
وقال ابن عساكر: حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح، حدثنا محمد بن المغلس، حدثنا محمد بن السري القنطري، حدثنا علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت، فقال: يا يحيى ما شأنك؟ قلت: عطشان، فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء، فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام؟ قال: لا حدثني أبي عن أبيه عن جده، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم"2.
وقال الخطيب: حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي، حدثني أحمد بن الحسن الكسائي، حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني، حدثني يحيى بن أكثم، فذكر نحوه، إلا أنه قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني جرير بن عبد الله سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "سيد القوم خادمهم"3.
وقال ابن عساكر: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي، حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار، حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في تاريخه "81/11".
2 أخرجه ابن عساكر "9/ 24835/ كنز".
3 أخرجه الخطيب في تاريخه "187/10".
ص -243- الكاتب، حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، حدثنا أبو حذيفة البخاري، قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مولى القوم منهم"1، قال محمد بن قدامة: فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وفي أيام المأمون أحصى أولاد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا، ما بين ذكر وأنثى، وذلك في سنة مائتين.
وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس بن بكير راوي المغازي، وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة -رحمه الله- ومعروف الكرخي الزاهد، وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ، وإسحاق بن الفرات قاضي مصر، ومن أجلة أصحاب مالك، وأبو عمرو الشيباني اللغوي، وأشهب صاحب مالك، والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة الحافظ، وروح بن عبادة، وزيد بن الحباب، وأبو داود الطيالسي، والغازي بن قيس من أصحاب مالك، وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور، وعلي الرضا بن موسى الكاظم، والفراء إمام العربية، وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة، وقطرب النحوي، والواقدي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والنضر بن شميل، والسيدة نفسية، وهشام أحد النحاة الكوفيين، واليزيدي، واليزيد بن هارون، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة، وعبد الرزاق، وأبو العتاهية الشاعر، وأسد السنة، وأبو عاصم النبيل، والفريابي، وعبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن الحكم، وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية، والأصمعي وخلائق آخرون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن عساكر "29642/10كنز".
المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد1
المعتصم بالله، أبو إسحاق، محمد بن الرشيد، ولد سنة ثمانين ومائة، كذا قال الذهبي، وقال الصولي: في شعبان سنة ثمانٍ وسبعين.
وأمه أم ولد، من مولدات الكوفة، اسمها ماردة، وكانت أحظى الناس عند الرشيد، روى عن أبيه، وأخيه المأمون، وروى عنه: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون.
وكان ذا شجاعة، وقوة، وهمة، وكان عريًّا من العلم.
فروى الصولي، عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشمي، قال: كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد مات غلامك، قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب، فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا، دعوه لا تعلموه، قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 218هـ وحتى 227هـ.
ص -244- وقال الذهبي: كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن.
وقال نفطويه والصولي: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمن؛ لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس، والثامن من ولد العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثماني عشرة، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، ومولده سنة ثمانٍ وسبعين، وعاش ثمانيًا وأربعين سنة، وطالعه العقرب، وهو ثامن برج، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانية أعداء، وخلف ثمانية أولاد، ومن الإناث كذلك، ومات لثمانٍ بقين من ربيع الأول.
وله محالسن، وكلمات فصيحة، وشعر لا بأس به، غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل.
وقال ابن أبي دؤاد: كان المعتصم يخرج ساعده إلي، ويقول: يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك، فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان.
وقال نفطويه: وكان من أشد الناس بطشًا، كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره.
وقال غيره: هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان.
وكان يتشبه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيتهم، وبلغ غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفًا.
وقال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به، فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب، والأبيات التي هجاه بها هذه:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم يأتنا في ثمانٍ منهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة غداة ثووا فيها وثامنهم كلب
وإني لأزهى كلبهم عنك رغبة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم وصيف وأشناس، وقد عظم الخطب
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة فأنت له أم وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقًا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين، وفيها تحول المعتصم من بغداد وبنى سر من رأى، ولك أنه اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك، قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار، قال: لا طاقة لي بذلك؛ فكان ذلك سبب بنائه: سر من رأى، وتحول إليها.
ص -245- وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتت جموعهم، وخرب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفًا وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس، وأنه يكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة، وهي هذه:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين، لا في السبعة الشهب
أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصًا وأحاديثًا ملفقة ليست بعجم إذا عدت ولا عرب
مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين، وكان قد ذلل العدو بالنواحي، ويقال: إنه قال في مرض موته: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}[الأنعام: 44] ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، وقيل: جعل يقول: أو خذ من بين هذا الخلق، وقيل: إنه قال: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي، ومن شعره:
قرب النحام واعجل يا غلام واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض لجة الموت فمن شاء أقام
وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب؛ ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها؛ فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم: إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك، وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي، فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته، وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات.
وقال الصولي: سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قط كظفره، أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك استيسان، وملك الشياصح، وملك فرغانة، وملك طخارستان، وملك الصفة، وملك كابل.
وقال الصولي: وكان نقاش خاتمه: الحمد الله الذي ليس كمثله شيء.
ومن أخبار المعتصم -أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها، إلا أنه افتتحها بقوله:
ص -246- يا دار غيرك البلى ومحاك يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟!
فتطير المعتصم، وتطير الناس، وتغامزوا، وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؟ وخرب المعتصم القصر بعد ذلك.
وأخرج عن إبراهيم بن العباس، قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه، وكان أول من ثرد الطعام وكثره، حتى بلغ ألف دينار في اليوم.
وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي.
وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول: من طلب الحق بماله وعليه أدركه.
وأخرج عن محمد بن عمر الرومي، قال: كان للمعتصم غلام يقال له: عجيب، لم ير الناس مثله قط، وكان مشغوفًا به، فعمل فيه أبياتًا، ثم دعاني، وقال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب، لحب أمير المؤمنين لي، وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا، وقد عملت في عجيب أبياتًا، فإن كانت حسنة وإلا فاصدقني، حتى أكتمها، ثم أنشد شعرًا.
لقد رأيت عجيبًا يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر والقدر يحكي القضيبا
وإن تناول سيفًا رأيت ليثًا حريبًا
وإن رمى بسهام كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحب فلا عدمت الطبيبا
إني هويت عجيبًا هوى أراه عجيبًا
فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه، وأمر لي بخمسين ألف درهم.
وقال الصولي: حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابًا يهدده فيه، فلما قرئ عليه قال للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
وأخرج الصولي عن الفضل اليزيد قال: وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه: من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد.
ص -247- إن المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصمًا فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف فواضله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فقال أبو وهيب: فينا من يقول خيرًا منه فيك، وقال:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها: شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
تحكى أفاعيله في كل نائبة الليث والغيث والصمصامة الذكر
ولما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك، جامعًا بين العزاء والهناء، فقال:
قلد قلت إذ غيبوك واصطفقت عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على الدنيا ونعم الظهير للدين
ما يجبر الله أمة فقدت مثلك إلا بمثل هارون
حديث رواه المعتصم: قال الصولي حدثنا العلائي، حدثنا عبد الملك بن الضحاك، حدثني هشام بن محمد، حدثني المعتصم، قال: حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآن}[الإسرم: 60] فقيل له: أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: "ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية، إذا ملكوا جاروا، وإذا ائتمنوا خانوا"، وضرب بيده على ظهر عمه العباس، فقال: "يخرج الله من ظهرك يا عم رجلًا يكون هلاكهم على يده".
قلت: الحديث موضوع، وآفته العلائي.
وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، حدثني علي بن الحسين الحافظ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثنا ابن خلاد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي، حدثنا إسحاق بن يحيى معاذ، قال: كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: أنت في عافية، فقال: كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده، عن ابن عباس مرفوعًا: "من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه، مات فيه".
قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق، ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي، عن أحمد بن محمد بن الليث، عن منثور بن النضر، عن إسحاق.
وممن مات في أيام المعصتم من الأعلام: الحميدي شيخ البخاري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو غسان المهدي، وقالون المقرئ، وخلاد المقرئ، وآدم بن أبي إياس،
ص -248- وعفان، والقعنبي، وعبدان المروزي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وإبراهيم بن المهدي، وسليمان بن حرب، وعلي بن محمد المدائني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقرة بن حبيب، وعارم، ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ، وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكي، وسعدويه الواسطي، وأبو عمر الجرمي النحوي، ومحمد بن سلام البيكندي، وسنيد، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن يحيى التميمي، وآخرون.
الواثق بالله هارون1
الواثق بالله هارون، أبو جعفر -وقيل: أبو القاسم- ابن المعتصم بن الرشيد. أمه أم ولد رومية، اسمها قراطيس.
ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة، وولي الخلافة بعهد من أبيه، بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين.
وفي سنة ثمانٍ وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجًا مجوهرًا، وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانًا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه.
وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك، ثم رجع في آخر أمره.
وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدًا، وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال الواثق له: تكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك! يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟! إنما كفرت بربي وصفته، ما تقولون فيه؟ فقال: جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًّا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه. ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه، فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره، ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة، فقرأ سورة يس بلسان طلق، رويت هذه الحكاية من غير وجه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تولى الخلافة 227هـ، حتى 232هـ.
ص -249- وفي هذه السنة استفك من الروم ألفًا وستمائة أسير مسلم، فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله: من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر.
قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ويقال: إنه رجع عنه قبل موته.
وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبّلًا بالحديد من بلاده، فلما دخل -وابن أبي دؤاد حاضر- قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد بل علمه، قال: فكان يسعه ألا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا وضحك الواثق، وقام قابضًا على فمه ودخل بيتًا، ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسكت عنه ولا يسعنا، فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده، ولم يمتحن أحدًا بعدها، ومقت ابن أبي دؤاد من يومئذ.
والرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي.
قال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض، تعلوه صفرة، حسن اللحية، وفي عينيه نكتة.
قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.
وقال غيره: كان الواثق وافر الأدب، مليح الشعر، وكان يحب خادمًا أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم، والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق.
ياذا الذي بعذابي ظل مفتخرًا ما أنت إلا مليك جار إذا قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر وإن أفق منه يومًا ما فسوف ترى
ومن شعر الواثق في خادمه:
مهج يملك المهج بسجى اللحظ والدّعج
حسن القد مخطف ذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بدا عنه باللحظ منعرج
وقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله، وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده، وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء، وكان شاعرًا، وكان أعلم الخلفاء بالغناء.
وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت، وكان حاذقًا بضرب العود، راوية للأشعار
ص -250- والأخبار.
وقال الفضل اليزيدي: لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق، فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم، كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق، وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئًا.
وقال يزيد المهلبي: كان الواثق كثير الأكل جدًّا.
وقال ابن فهم: كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلًا، وكل ما على الخوان من غضارة وصفحة، وسكرجة من ذهب، فسأله ابن أبي دؤاد ألا يأكل عليه للنهي عنه، فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال.
وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة، وأن قائلًا يقول له: لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت، فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك، فلم يعرفوا معناه، فوجه إلى أبي محلم وأحضره، فسأله عن الرؤيا والمرت، فقال أبو محلم: المرت: القفر الذي لا ينبت شيئًا، فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خالٍ من الإيمان خلو المرت من النبات، فقال له الواثق: أريد شاهدًا من الشعر في المرت، فبادر بعض من حضر فأنشد بيتًا لبني أسد:
ومرت مروتاة يحار بها القطا ويصبح ذو علم بها وهو جاهل
فضحك أبو محلم، وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك، فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت، فأمر له الواثق بمائة ألف دينار.
وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق، ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه.
وقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه إلى الغاية، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله.
ومن مديح علي بن الجهم فيه:
وثقت بالملك الواثق بالله النفوس ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
أسد يضحك من شداته الحرب العبوس أنس السيف به واستوحش الطلق النفيس
يا بني العباس يأبى الله إلا أن تروسوا
المصدر: منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية
ui] fkd hgufhs fhguvhr * 5
هذا الموضوع منقول من :: http://ift.tt/1SUZ2xr :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه
كما يمكنك زيارة اقسام مواقعنا مثل
http://ift.tt/1SUZ0pe او http://ift.tt/1U2mlu7 او http://ift.tt/1SUZ2xs
from منتديات الزلزلة للعلوم الروحانية http://ift.tt/1ReZG7r
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق